الصبي في مدينة الملاهي –
بقلم إبراهيم الديب/
___________________________

طفل صغير لا يتخطى التاسعة من عمره يطوي أرض المنتجع السياحي تحت قدميه المتسختين ، بثيابه الرثة الرخيصة، يحمل قطعة خشب رفيعة يقبض عليها بيده اليسرى بإصرار شديد تتدلى منها سلاسل, وأقراط وخواتم فالصو كفاترينة عرض بضاعة يرتزق منها لتتزيا بها صغار أسر المصطافين الاثرياء، أما ذراعه اليمنى فهي من تنوب عنه في عملية البيع وعرض البضاعة وقبض ثمنها ؛ من زبائنه التي تقف وراء رغبتهم في الشراء منه شفقة وعطف عليه أكثر منه حاجتهم لبضاعته، وشعور بعدها بسعادة تغمرهم لما قدموه للصبي قبل أنفسهم .
بدا الطفل أكثر سعادة أو اندهاشا بكل ما يشاهد في الحقيقة هو يقف على نفسر نفسه على غير عادة صغار أسر هذه الشريحة الثرية المترفة ، منطق الاشياء يقول أن العكس صحيحاً ، لعل سبب ذلك هو انبهاره بلحظة اكتشافه عالما مدهشا ساحرا، فكيف يرى فيه نقصا وهو يلتهم بجوع عينيه كل ما يقع عليه بصره لعل اطفال هذه الشريحة الثرية من اعتادت عيش طقوس هذا العالم ، هي من تستطيع التفرقة بمقاييس هذه الدنيا العجيبة المدهشة التي لم تطأها قدم الصغير من قبل ؛فكان ينظر لنفسه ويلف ويدور حولها غير مصدق ما يرى ثم ينظر للسماء ليتأكد أنها نفس الشمس التي يشاهدها في منطقته الشعبية.
ليستدعي ذهن الصغير قسراً عنه :العالم الذي جاء منه ليبدأ في المقارنة على الفور بين منطقته العشوائية التي تسلل منها صدفة على سبيل المغامرة البريئة وشقاوة الاطفال ليجد نفسه دون تخطيط هذه الجنة الأرضية، نعم الصدفة وحدها هي المسئولة عن وجوده بين هؤلاء البشر الذي شك في أن هؤلاء من نفس جنسه ، فقد بدا التفاوت الطبقي واضحاً يعلن عن نفسه بصورة فجة بصورة الفتى بائع السلاسل؛ عند مقارنته يقف بجوار صغير من هذا العالم ليكون كل منهنا تجسيداً حيا لطبقته؛.
تغني هذه الصورة عن قراءة ألف كتاب و دراسة نظرية لعلماء الاجتماع لهذه الظاهرة : نظرات صبي السلاسل ؛غض الروح بريء النفس ، من يحملق في كل ما حوله؛ والتي تخبر برغبته، ممارسة طقوس هذا العالم الأسطوري أو على الأقل تثبيته بداخل ذهنه واعماقه،تستقر بعدها صورته في منطقة مقدسة بداخل ذاكرة غير قابلة للمحو أو النسيان ، عله يخبر بها اصدقائه أو يستعيدها هو يحارب بها القبح الذي يحاصره ويمارسه سلوك على أرض فالشخص ابن مجتمعه وكل طبقة تنتج أفرادها لعل شئء من ذلك داعب خيال الصغير بعد ما شاهده من سحر وبهاء وجمال .
عقل الصبي الذي يتجول بنشاط مستمتعا سعيداً أثناء ممارسة عملية بيعه اشياءه لناس يبادلونه بها سعادة ولكن الصغير لا يتمتع بقدرة فك الألغاز ولا يملك تفسيرا لكل ما يشاهد، لم يغادر مرحلة النهم، وفجأة تسمرت قدماه أمام ساحة كبيرة تشبه مدينة ملاه صغيرة محاطة بسيارات فارهة ينزل منها: اطفال يصعدون لداخل هذه الألعاب بمساعدة والديهم مستمتعين بالتحليق لأعلى يصرخون من أعماقهم من شدة البهجة ثم يغادرون ومازلت الفرحة مرسومة على الملامح ، ويأتي غيرهم يعيدون الكرة والصبي يحملق في ملابسهم ويقارنها بأسماله البالية الممزقة التي بالكاد تستر جسده ،تمنى الصغير الصعود لأعلى والتحليق مثلهم ، أليس طفلا ؟ وكانت هذه أول مرة يطرح فيها هذا السؤال على نفسه, التي تخلت عن جزء من براءتها.
رجل مهيب هيئته تخبر أنه ذو حيثية تخطى الستين او يزحف نحوها يرتدي نظارة سوداء يشاهد العاب المدينة الساحرة بنهم وشغف شديد كل ما يمارسه الصغار من العاب الملاهي، فبدا أقرب لمن يشاركهم مرحهم وسعادتهم وانطلاقهم، ثم يغيب وكأنه في عالم آخر، قبل مغادرته التقط ؛ صورة تكون مدينة الملاهي الصغيرة خلفيتها، فعل ذلك مرات عدة ولكن في المرة الأخيرة : ظهر صبي السلاسل في الصورة بوضوح ليقترب الرجل منه تحت دافع خفي، وتلاقت النظرات، ليجذبه الرجل من يده للداخل وساعده الجلوس على احدى الألعاب, لم يتردد الصبي ولم يبدي اعتراضاً ولم يشكر الرجل ولم يعرف ماذا يقول له، وبدأت اللعبة ، وصبي السلاسل مغمض العينين من شدة النشوة وشعور بسعادة تغمر روحه وتسري في كيانه ،والرجل المهيب يراقب الصغير عن كثب ويشاركه الفرحة ويحمسه على نيل الكثير منها .
وعند انتقاله للعبة الساقية ، أخبر الصبي الرجل خوفه صعودها بمفرده ، فهرول الرجل إليه، وكأنه ينتظر هذه الفرصة وطلب الصغير للمشاركة ، دون شعور منه مارس كل يقوم به الصغار وظل يفعل لفترة طويلة قال صبي السلاسل لأصدقائه بعد عودته: أن الرجل الكبير بعد ركوبه لعبة الساقية: أطلعه على دخيلة نفسه وأخبره بسر دفين وكانت المرة الأولى التي يبوح به لشخص آخر، بأنه كان يتمنى اللعب كثيراً في الصغر مثل هؤلاء ولكن الفقر، حال بينه وبين أشياء كثيرة حرم منها ، وعند قراءته رغبة الصبي ممارسة اللعب تذكرت طفولتي ، ودون شعور منه وجد نفسه يركب الساقية، ويشارك الصبي رغبته المؤجلة ، وأخبر الصبي أصدقائه ان الرجل الثري أثناء اللعب كان يضرب الهواء بقبضة يده بشدة وكأنه ينتقم من عدو، قبل أن يطلق اصوات مرتفعة أقرب فيها للهذيان من الشخص السوي غير عابئ بمن حوله ، وواصل صراخه الممزوج بفرح عظيم الذي تبدد و تلاشى في الأثير ليصبح جزءًا من ضوضاء مدينة صاخبة تعج بالحياة تضج بالسعادة..
