الفانوس الذي لا يرىأ

بقلم عبد العالي لعجايلية

_____________________________________

1773254359019 15685

.بعض الأرواح خُلقت لتبدد عتمة الآخرين، بينما تبقى عتمتها سرًّا لا يراه أحد.في خضمِّ حياةٍ لم تكفَّ يومًا عن التعرّج بين التضحية والمعاناة، كان الرجل يسير كمن يمشي تحت سماءٍ مثقلةٍ بالكواكب، يحمل على كتفيه أوزانًا لم يطلبها، لكنه قبِلها كقدرٍ صامت. لم يكن بطلاً في ملحمةٍ تُكتب، ولا شهيدًا في روايةٍ تُروى، بل كان مجرّد إنسانٍ آمن بأن العطاء طريق النجاة، وأن المحبة تُقاس بقدر ما نبذل لا بقدر ما نأخذ.كان يمضي في الحياة كفانوسٍ في ليلٍ طويل؛ يضيء للآخرين الطريق، بينما يتآكل زيته في الخفاء. الأب الذي يجب أن يكون صخرةً لا تتصدع، الزوج الذي ينبغي أن يظل سندًا لا يميل، والعامل الذي لا يعرف التراجع ولو انحنى ظهره تحت أثقال الأيام. كانت هذه الأدوار تتعاقب عليه كأقنعةٍ في مسرحٍ لا يملك مغادرته.وكان يقول لنفسه كلما اشتد التعب:كل هذا من أجلهم.لكن صدى السؤال كان يعود من أعماقه، خافتًا كهمسٍ في بئرٍ سحيقة:وماذا عني أنا؟لم يكن يشتكي؛ فالشكوى في قاموسه ضعفٌ لا يليق بمن اختار أن يكون جدارًا تتكئ عليه الأرواح. لكنه كان يرى نفسه في مرآة الزمن يتشظّى ببطء، كزجاجةٍ سقطت ولم يسمع أحد صوت انكسارها. كانت أيامه تتبخر في خدمة الآخرين، حتى صار يشعر أحيانًا أنه لم يعد إنسانًا كاملًا، بل وظيفةً تمشي على قدمين.كان العالم من حوله يرى ما يفعله، لكنه لا يرى ما يفقده.فإن أخطأ، كان المسؤول.وإن تعب، كان المقصّر.وإن تردد، كان الضعيف.وإن طلب لحظةً لنفسه، صار في نظرهم متهرّبًا من واجبه.وهكذا، شيئًا فشيئًا، تحوّل الرجل إلى ظلٍّ يعمل تحت ضوء الآخرين.كان يحاول أحيانًا أن يسرق من الزمن دقيقةً يجلس فيها مع نفسه، كما يجلس غريبٌ مع غريب. لكن الحياة كانت أسرع من تأملاته؛ كلما مدّ يده ليصافح ذاته، سحبته الأيام إلى معركةٍ جديدة من الواجبات.وكان في كل مرة يتخلى عن حلمٍ قديم، أو يؤجل رغبةً صغيرة، يشعر أن قطعةً أخرى من روحه تُدفن في صمت. ومع ذلك، لم يكن قلبه قاسيًا بما يكفي ليتوقف. كان يرى أبناءه كأشرعةٍ صغيرة في بحرٍ هائج، وكان يؤمن أن عليه أن يبقى المرسى، حتى لو تآكلت صخور المرافئ في داخله.لم يكن يطلب منهم أن يعرفوا حجم ما يفعل. كان يكفيه أن يراهم يكبرون، يتجاوزون الأسوار التي عجز هو عن عبورها. كان يحلم أن يعيشوا حياةً أخفّ من حياته، حياةً لا يُطلب فيها من الإنسان أن يذوب كي يثبت أنه يحب.لكن الحقيقة التي كانت تتراءى له أحيانًا في لحظات الصمت كانت قاسية:أن الذين يضيئون الطريق للآخرين، نادرًا ما يجدون من يحمل لهم مصباحًا في العتمة.ومع ذلك، ظل يسير.ليس لأنه لم يتعب،بل لأنه لم يعرف طريقًا آخر غير العطاء.كان يريد أن يكون البطل في قصة عائلته، لكن الحياة لم تكتب له مجد الأبطال، بل منحتْه مصير الفوانيس القديمة:تضيء طويلًا…ثم تنطفئ بصمت،بعد أن ينسى الجميع كم من الليل بدّدت.