الشعر الحقيقي: بين جوهر الرؤيا وضجيج العبارة-

بقلم د- محمد عبد الله الخولي_______________


ليس الشعر كلماتٍ تُرصُّ لتبدو جميلة، ولا زخرفًا لغويًا يُعلَّق على جدار اللغة ليُثير دهشةً عابرة. الشعر الحقيقي فعلُ كشفٍ قبل أن يكون فعلَ كتابة، ومحاولة دائمة للقبض على ما يتوارى خلف الأشياء، لا الاكتفاء بوصف سطحها اللامع. إنّه بحثٌ شاق عن جوهر الشعرية، حيث تتحول اللغة من أداة تعبير إلى كائن حيٍّ يخلق معناه لحظة النطق به.

الشعر لا يولد من الضجيج، لأن الضجيج بطبيعته يستهلك نفسه سريعًا؛ يعلو ثم يخفت، يلمع ثم ينطفئ. أما الشعر الحقيقي فينشأ في منطقة أكثر صمتًا وعمقًا، حيث تتشكل الرؤيا قبل العبارة، ويصبح الصمت جزءًا من المعنى. لذلك لا يعتمد الشاعر الحقيقي على التراكيب المستهلكة ولا على القوالب الجاهزة، لأن اللغة حين تُعاد دون تجربةٍ حقيقية تتحول إلى صدى بلا مصدر.

الشعر، في جوهره، خلقٌ من عدم. إنه محاولة الإنسان أن يمنح اللامرئي شكلًا، وأن يبتكر وجودًا لغويًا لم يكن قائمًا من قبل. القصيدة الحقيقية لا تُعيد العالم كما هو، بل تعيد اكتشافه؛ تنقله من مألوفيته إلى دهشته الأولى. ولهذا يتجاوز الشعر الواقع، لكنه لا ينفصل عنه؛ فهو منغرس فيه كالجذر في التربة، يستمد منه غذاءه، ثم يمنحه شكلاً جديدًا من الحياة.

ومن هنا يظهر الفارق الجوهري بين شاعرين: شاعر صاحب مشروع، وشاعر يعتمد على الضجيج.
شاعر المشروع لا يكتب القصيدة بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها حلقة في رؤية ممتدة. لغته تتطور، وأسئلته تتعمق، ونصوصه تتجاور لتشكّل عالمًا خاصًا يمكن التعرف إليه حتى دون توقيع. إنه شاعر يبني، لا يراكم؛ يحفر في التجربة الإنسانية بحثًا عن معنى يتجاوز اللحظة الآنية.
أما شاعر الضجيج، فيعتمد على ارتفاع الصوت بدل عمق الرؤيا. يظن أن الكثافة اللفظية تعوّض غياب الفكرة، وأن الانفعال الحاد يمكن أن يحل محل التجربة. نصوصه تتشابه لأنها لا تنبع من ضرورة داخلية، بل من رغبة في التأثير السريع. وحين يهدأ الضجيج، لا يبقى من القصيدة شيء سوى أثرٍ لغويٍّ باهت.
الشعر الحقيقي لا يسعى إلى الإقناع بقدر ما يسعى إلى الإيقاظ. إنه لا يفرض معنى، بل يفتح أفقًا. وحين تبلغ القصيدة هذا المستوى، تصبح تجربة وجودية لا مجرد نص؛ لحظة يلتقي فيها الإنسان بذاته عبر اللغة.
لهذا يبقى الشعر الحقيقي أقل صخبًا وأكثر بقاءً. فهو لا يحتاج إلى أن يصرخ كي يُسمع، لأن ما يصدر عن العمق يصل دائمًا أبعد من الصوت العالي. الشعر الحق ليس ما يُدهش لحظيًا، بل ما يظل قادرًا على إعادة اكتشافنا لأنفسنا كلما عدنا إليه.