ترانيم الإسفلت المنسي

أ.عبد العالي لعجايلية____________________


يبدأ كل شيء من “اللا مكان”، حيث تتقاطع الطرق لا لكي تلتقي، بل لكي تتبادل الخيبات وترحل. في تلك الليلة، لم يكن المحرك وحده هو الذي يئن، بل كان الصمت المحيط بالقرية النائية يغرس مخالبه في زجاج السيارة. كنت أظنني مسافرًا من نقطة إلى أخرى، ولم أدرك أن المقعد المجاور سيتحول إلى منصة اعتراف لروحٍ سُرقت منها الحياة قبل أن تبدأ. إليكم حكاية لقاءٍ لم يمنحني حكمة، بل منحني مرآةً رأيت فيها ثقوب العالم.

كنت أسير بالسيارة في طريق ضيق يلتف بين تلال قرية نائية. الليل ثقيل، والهواء يحمل رائحة التراب اليابس. فجأة، رأيت شابًا يافعًا يمد يده على حافة الطريق، صامتًا، كأن صمت القرية تسرب إلى عينيه. توقفت.
اقترب من السيارة وجلَس بجانبي. لم نبادل كلمة بعد، لكن عينيه كانت تقول كل شيء: ضياع، صمت، انتظار. همست لنفسي: كل لقاء هنا… قد يكون بداية رحلة إلى شيء لم أكن أعلمه بعد.
كان الطريق ممتدًا كجرح لم يجد من يضمّده. إسفلت صامت يبتلع صرخات العابرين، كأن المسافة عمر معلّق بين اليأس والأمل. التفتُّ إلى الشاب الجالس بجانبي. كان يحمل في صدره صحراء: رملها أسئلة، وريحها خيبات، وشمسها تحرق بلا رحمة.
قلت في سرّي: كنتُ في هذه الرحلة مثل موسى، أبحث عن تفسيرٍ لهذا العالم. لكن الرفيق الذي أمامي لم يكن عبدًا صالحًا يكشف الحكمة الخفية، بل شاهدًا على حكاية تُكتب بالحبر الأسود وتمحى بالدموع.
مرّت لحظة صمت. لم يكن يُسمع سوى أزيز العجلات، واصطدام أفكاري ببعضها، وصوت الريح يعانق الأشجار المجاورة. همس الشاب لعتمة الطريق:
— لسنا لصوصًا بالفطرة، يا سيدي. الحياة هي التي سُرقت منا قبل أن نسرق.
قلت:
— وأنت… لم تجد بابًا إلى الضوء؟
أجاب وهو ينظر إلى الظلال الممتدة على الإسفلت:
— الضوء؟ ربما غُرق منذ أبحرت سفينتنا. أحلامنا لم تُقتل لأنها ستفسد الأرض، بل لأنها لم تجد أرضًا تنبت فيها.
صمتنا امتدّ، كأن الطريق نفسه يريد أن يخبرنا بأن بعض الرحلات لا تنتهي. سألته:
— ومن الذي خرق سفينتكم؟ من قتل أحلامكم؟ ومن بنى هذا الجدار من الصمت؟
ابتسم ابتسامة مُرّة وقال:
— الجدار… لا نبي هنا ليقيمه فوق كنز الطفولة. إنه قبر يتسع لنا جميعًا.
قلت وأنا أراقب الأضواء البعيدة:
— ربما لم تغرق السفينة وحدها… ربما نحن الذين تعلّمنا الغرق حتى نسينا كيف نسبح.
أغمض عينيه وقال بهدوء:
— نحن فقط… أرواح خرجت من نعوشها قبل الأوان.
كان صوته يشبه جدولًا جفّ ماؤه، ووجهه يشبه مدينة هجرتها الموسيقى. كل كلمة منه كانت موجة تكسر صمت الطريق الطويل. حين وصلنا إلى المدينة، فتح الباب ونزل. ابتسم لي ابتسامة نصفها شكر ونصفها أسف، ثم ابتلعه الزحام والأضواء.

مضى الشاب، وبقيتُ أنا وتلك البرودة التي استوطنت المقعد، كيدٍ لا تصافحك. أدركت حينها أن بعض العابرين لا يمرون بنا ليرشدونا إلى شاطئ الأمان، بل ليخبرونا أن السفينة قد غادرت منذ زمن، وأننا جميعاً “غرقى” نكابر فوق أمواج من الأسئلة.
لقد تعلمت من تلك الرحلة القصيرة درساً واحداً: ليس كل موسى يجد عبدًا صالحًا، وبعض الطرق لا تقود إلى الحكمة… بل إلى اكتشاف العدم. أغلقت النافذة، لكن صوت انكساره ظل يتردد مع كل دورة للعجلات؛ فنحن غالباً نبحث عن الضوء في الظلام، لكن الظلام هو الذي يكشف صدقنا.