“أب ولكن”.. من المتعة والتشويق إلى التغيير و البناء –
الدراما وصناعة الوعي الجمعي-
بقلم خليفة عبد السلام ____________________
في السنوات الأخيرة، شهدت الدراما المصرية تحوّلًا ملحوظا نحو الاقتراب أكثر من نبض الشارع ليس فقط بهدف الترفيه، بل كوسيلة لطرح قضايا اجتماعية حساسة وإثارة نقاشات عميقة قد تمتد ثارها إلى دوائر صنع القرار. ويأتي مسلسل “أب ولكن”الذي عُرض برمضان 2026 على القنوات المصرية كأحد أبرز النماذج التي تجسد هذا التحول، حيث يقدّم معالجة درامية جريئة لعلاقات الأسرة ويطرح تساؤلات معقدة حول مفهوم الأبوة، والسلطة، والعدالة داخل البيت المصري
لا يكتفي العمل بسرد حكاية إنسانية، بل يتعمد الغوص في تفاصيل يومية يعيشها كثيرون لكنه يسلط الضوء عليها بطريقة تجعلها قابلة للنقاش العام. هذه القدرة على تحويل الخاص إلى عام هي ما يمنح “أب ولكن” ثقله وتأثيره.. إذ يجد المشاهد نفسه أمام مرآة تعكس واقعًا قد يكون مألوفًا لكنه لم يُناقش بوضوح من قبل
تكمن قوة المسلسل في اعتماده على ما يمكن تسميته بـ”الدراما الفعالة”، وهي الدراما التي لا تكتفي بإثارة التعاطف أو تقديم رسائل أخلاقية مباشرة، بل تسعى إلى إحداث حراك فكري واجتماعي.. فالقضايا التي يطرحها العمل، مثل حقوق الأبناء، وحدود سلطة الأب، وتعقيدات قوانين الأسرة، لا تُعرض بشكل سطحي، بل تُقدَّم ضمن سياقات إنسانية تجعلها أقرب إلى الواقع وأكثر إلحاحًا
وقد ساهم هذا الطرح الواقعي في جذب اهتمام فئات مختلفة من المجتمع، بما في ذلك النخب القانونية والإعلامية، التي بدأت تتناول الموضوعات التي يطرحها المسلسل بجدية. فحين تتحول مشاهد درامية إلى مادة للنقاش في الندوات والبرامج الحوارية، فهذا يعني أن العمل تجاوز حدود الشاشة ليصبح جزءًا من الخطاب العام
إن التأثير الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه الأعمال لا يقتصر على تغيير وعي الجمهور، بل قد يمتد إلى التأثير في السياسات العامة. فالتاريخ القريب يشهد على أن بعض الأعمال الفنية كانت شرارة لنقاشات انتهت بتعديلات تشريعية، خاصة في ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى “أب ولكن” كجزء من موجة درامية تسعى إلى إعادة التفكير في منظومة الأسرة، ودفع المجتمع—بما فيه صناع القرار—إلى مراجعة بعض القوانين التي لم تعد تعكس تعقيدات الواقع المعاصر
لكن هذا التأثير لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب تكاملًا بين العمل الفني، والإعلام، والنخب الفكرية والقانونية. فالمسلسل يطرح القضية، لكن استمرار النقاش وتطويره هو ما يفتح الباب أمام التغيير الحقيقي. وهنا تبرز أهمية الأعمال التي تُكتب وتُنتج بوعي، والتي تدرك أن الدراما ليست مجرد حكاية تُروى، بل أداة يمكن أن تسهم في تشكيل الوعي وصياغة المستقبل “أب ولكن” يثبت بجدارة أن الدراما المصرية لا تزال قادرة على لعب دور محوري في المجتمع، ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كقوة ناعمة تملك القدرة على تحريك المياه الراكدة، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة داخل الأسرة، وربما الدفع—ولو تدريجيًا—نحو تغييرات تشريعية تعكس واقعًا أكثر إنصافًا وتوازنًا
