في فجر بلا شمس
أ.عبد العالي لعجايلية____________________

في فضاءٍ بلا حدود، حيث لا الشمس تشرق ولا الظلال تثقل، يقف الإنسان على حافة إدراكه، يتساءل عن ذاته والكون، كأنما الكون كله مرآةٌ صامتة لا تعكس إلا صدى الصمت نفسه. هناك، في صمت الأزل، تبدأ الرحلة: رحلة استكشاف ما وراء الاسم والصفة، ما وراء الألم والفرح، وما وراء كل صخبٍ يلهب القلب ويعمي البصر. الروح، عاريةً من كل زخارف، تواجه بحرًا بلا شواطئ، لتدرك الحقيقة الأولى كمرآةٍ تعكس الفناء ذاته، وتكشف أن كل شيء، مهما بدا ثابتًا، ليس إلا صدى يتراقص في رقصة الوجود.
في فجرٍ لم تلوثه شمس، استيقظت الروح عاريةً من أسمائها وصفاتها، واقفةً أمام بحرٍ لا يحده بدء ولا صبابة منتصف. هناك، في الصمت الأبدي، أدركت أن الوجود صدى يتردد من مرآة الفناء، وأن الألم والفرح توأمان يلبسان أقنعة الذات اللامرئية، في مسرحٍ لا يهدأ ولا ينام.
وفي قلب العتمة، اندلع الحريق الكامن؛ شهوات متوقدة وأماني معلقة كمسامير في سماء بلا أفق. كانت الرغبة قيدًا ينسج نفسه من أوهامنا، وكان التعلق جدارًا يسجن المسافرة الأبدية خلف قضبان الظل. لكي تعرف الروح وجهها الحقيقي، كان عليها أن تخلع العالم كقميصٍ بالٍ، وتبتعد عن كل زيفٍ يقتات على يقينها، فتصبح الرحلة انفجارًا داخليًا، يتوهج في الظلام مثل نجمةٍ عابرة.
ثم انهمرت الشفافية؛ نهرٌ يتدفق عبر الفراغ، ليس ضوءًا بالمعنى العادي، بل غيابًا للأغلال وتلاشياً للحدود. لم يكن التحرر رحيلاً إلى مكان، بل كان انصهار “الأنا” في رحابة “اللا-ذات”. صمتٌ كثيف كجدار الليل، لا يخرقه سوى نبض الوعي كوميض فراشة في الظلام، حيث تتفتح اللحظة كزهرة وحيدة تتنفس في قلب التيه، وتغني سرّها في صمت الأبدية.
وارتسم المسار؛ ثمانية أبواب مواربة على الوعي الخالص، خطوات غير مرئية تُنحت في جسد السكون. لم تعد بحاجة لاسمٍ لتعرف الطريق، فالفهم صار بوصلة، والنية شراعًا، والكلام قوسًا يطلق سهم الحقيقة، والسلوك استقامةً في عالمٍ منحنٍ. الطائر الذي كان يطارد العدم صار هو الطريق، والنار التي كانت تحرق الأوهام صارت نهرًا من صفاء، يضيء مسام الوجود، ليغدو البحر مرآة لا يخدش صفاءها رذاذ الرغبات، والنفس تتعانق مع اللا-دوام في رقصة الخلود.
هنا، في تجلي “اللا-دوام”، اكتشفت الروح أن الفراغ ليس عدماً، بل هو المتسع الوحيد للحرية. كل حلم، كل انكسار، وكل ضحكة عابرة، ليست سوى نقشٍ على جدار الأبدية. إن غسلت بصيرتك بالسكينة، صار الكون كله امتداداً لصفائك، وإن سكنت الأوهام، ظل العالم قبوًا ضيقًا لا يسع إلا صدى التعلق.
ومع انحسار كل ظلال الزمان، ومع تلاشي ثنائية الفجر والغروب، تدرك الروح أن التحرر ليس مكانًا يُصل إليه، ولا هدفًا يُحتفى به، بل هو الانفجار الدائم للوعي في كل لحظة. روح واحدة تتنفس الكون كله، تصير كل حلم، كل ضحكة، كل نبضة، جزءًا من الحقيقة الخالدة. وهكذا، يذوب الإنسان في بحر اللا-وجود، ليصير شعلة واحدة لا تحجبها ظلمة، ولا يطفئها غياب، شعلة تدرك أن الوعي هو النور الذي لا ينتهي، وأن كل لحظة حياة رسالة، وكل صمت بوابة للحرية الأبدية، حيث يلتقي اللا-زمان بالسرمدية، والروح بالخلود.
