بروفيسور النقد والوعي -لونيس بن علي… صوت امبادرة في زمن الندرة
بورتريه/ بقلم خليفة عبد السلام ___________

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتغلب فيه النزعات الفردية على حساب القيم الجماعية، أين خسرت الأغلبية الرهان أمام المغريات، وتحولت إلى قطيع متشابه الأهداف، يمضي بنفس السلوك والمماراسات، يسير بعقلية:كم المكسب؟ وماذا سأجني؟! وبات الكل يقدّس اسمه، ضائعًا في سياسة تلميعه. في هذا السياق، يبرز اسم البروفيسور والناقد الجزائري لونيس بن علي كأحد الأصوات الفكرية التي لم تنسق وراء التيار، بل اختارت أن تقاومه بالوعي والمعرفة، حيث آمن بأن الثقافة عطاءٌ في وقتٍ يريد فيه الجميع أن يأخذ.
هو نموذج للمثقف الذي يرى في الفكر رسالة، وفي النقد مسؤولية، وفي الكلمة التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون مجرد تعبير.
ينتمي لونيس بن علي إلى ذلك الجيل الواعي من الأكاديميين الذين لم يكتفوا بالبحث العلمي داخل أسوار الجامعة، بل تعدّوا حدودها، وجعلوا من الفكر أداةً للتأثير في المجتمع، ومن النقد وسيلةً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فهو لا يكتب لمجرد التحليل أو التفكيك، بل يسعى إلى بناء إنسان قادر على الفهم، وعلى مساءلة الواقع بدل الخضوع له.
فمسيرته الحافلة بدأت كأستاذ بثانوية شعبان أعمر أوقاس ببجاية (2003–2004)، ثم أستاذًا مؤقتًا بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بجاية (2005–2008)، كما عمل أستاذًا مؤقتًا بجامعة جيجل (2006–2007)، ثم أستاذًا مساعدًا بجامعة عبد الرحمن ميرة – بجاية (2008–2017)، ليصبح أستاذًا محاضرًا من 2017 إلى يومنا هذا.
وقد تقلّد البروفيسور لونيس بن علي عدة مناصب جامعية، منها: عضو المجلس التأديبي للقسم منذ 2016 إلى غاية اليوم، وعضو المجلس العلمي للقسم (2016–2017)، والإشراف على مذكرات التخرج (ليسانس – ماستر 2) منذ 2008 إلى يومنا هذا، ونائب رئيس قسم اللغة والأدب العربي منذ 2016، ورئيس القسم سنة 2019، إضافة إلى انتمائه إلى مخبر التماثلات الثقافية بجامعة تيزي وزو.
وخارج إطار النشاط الجامعي، ساهم كأكاديمي في العديد من الفعاليات الثقافية، وبادر بإنجاز عدة أفكار تجسدت في الساحة الثقافية، من أهمها ملتقيات ثقافية وندوات فكرية. كما لعب، إلى حد الساعة، دورًا مهمًا في تسليط الضوء على أهم الأعمال الأدبية، حيث أصبح متابعًا للإصدارات، ينتقي أبرزها ويشاركها مع الجمهور. وله العديد من المقالات والتدخلات في الشأن الثقافي.له عدة إصدارات نقدية، من أهمها:
“القراءة في المناطق المحصورة”،
“مقاربات نقدية في روايات عربية معاصرة”،
“في مديح القارئ الأزرق”.
يطرح بن علي أسئلة جوهرية حول موقع الإنسان في مجتمع تتزايد فيه الأنانية، حيث أصبح الكثيرون يسعون وراء مصالحهم الشخصية ولو على حساب القيم المشتركة. لكنه، في المقابل، لا يسقط في خطاب سوداوي، بل يدعو إلى استعادة روح الجماعة، وإحياء الإحساس بالمسؤولية المشتركة، مؤكدًا أن بناء مجتمع متماسك يبدأ من وعي أفراده. كما يشتغل دائمًا في سبيل الانتصار للكتاب والأدب، إذ يرى أن القراءة تصنع الأجيال وتبني المجتمع.
وما يميز تجربته هو قدرته على الربط بين النقد الأدبي والواقع الاجتماعي، حيث يرى أن النصوص ليست معزولة عن سياقها، وأن الأدب مرآة تعكس تحولات المجتمع وتناقضاته. ومن هنا، يتحول النقد عنده إلى فعل مقاومة، يواجه به التفاهة السائدة، ويعيد الاعتبار للمعنى في زمن الاستهلاك السريع للأفكار.
كما يولي البروفيسور أهمية خاصة لفكرة “الوعي الجمعي”، معتبرًا أنها السبيل الوحيد لمواجهة التفكك الاجتماعي. فالفرد، مهما بلغ من الوعي، يظل محدود التأثير إذا لم ينخرط في مشروع جماعي قائم على الحوار والتكامل. ولذلك، يدعو دائمًا إلى خلق فضاءات فكرية مشتركة، تُبنى فيها الأفكار بشكل جماعي، بعيدًا عن النزعات الإقصائية.
في ظل هذا المشهد، يصبح لونيس بن علي أكثر من مجرد ناقد أكاديمي؛ إنه حامل لمشروع فكري يسعى إلى إعادة التوازن بين الفرد والجماعة، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. وهو بذلك يقدم نموذجًا نادرًا للمثقف الذي لم يتخلَّ عن دوره التنويري ولم يتنازل عن مبدئه وضل المثقف الذي يملك ميزة المبادرة دون انتظار المقابل، رغم صعوبة المرحلة التي غالبا ما أطاحت السلبيات بضحاياها وقتلت طموحهم
ومن جهةٍ أخرى، يمكن القول إن حضور لونيس بن علي في الساحة الثقافية ليس مجرد إضافة، بل هو ضرورة فكرية في زمن يحتاج إلى من يعيد ترتيب الأولويات، ويذكّر الناس بأن المجتمعات لا تُبنى بالمصالح الفردية فقط، بل بروح التضامن، وبوعيٍ مشترك يضع الإنسان في قلب كل مشروع حضاري.




