نحو شعرية لسانية حديثة: إسهام رومان ياكبسون في تحليل الوظائف اللغوية وبناء الأسلوبية البنيوية_______

بقلم د. محمد عبدالله الخولي __________


لم يكن مشروع رومان ياكبسون مجرد اجتهادٍ لسانيٍّ يسعى إلى وصف اللغة، بل كان محاولةً عميقة لإعادة التفكير في طبيعة المعنى ذاته؛ إذ أدرك مبكرًا أن اللغة لا تُختزل في كونها أداة تواصل، بل هي بنيةٌ تولِّد العالم الرمزي الذي يعيش فيه الإنسان. ومن هنا بدأ بحثه في جدل الصوت والمعنى، ذلك الجدل الذي يكشف أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطًا خالصًا كما تبدو، بل شبكةٌ من العلاقات الإيقاعية والتنظيمية التي تمنح اللغة قدرتها على الإيحاء والتأثير.
حين انتقل ياكبسون إلى براغ، وجد نفسه داخل مناخٍ فكريٍّ استثنائي تمثل في حلقة براغ اللغوية، حيث لم تعد اللغة موضوعًا نحويًا صرفًا، بل ظاهرةً جمالية وثقافية. هناك تحوّل اهتمامه من البنية الصوتية المجردة إلى الوظيفة الإنشائية أو الإبداعية للغة، أي إلى تلك اللحظة التي تتجاوز فيها اللغة نقل المعلومات لتصبح حدثًا فنّيًا قائمًا بذاته. فاللغة الشعرية، في نظره، لا تقول الشيء فحسب، بل تجعل القول نفسه موضوعًا للانتباه.
وفي هذا السياق جاءت دراسته لأعمال الشاعر الروسي الطليعي فيليمير خليبنيكوف، التي شكّلت مختبرًا حيًّا لفهم كيف تتحرر اللغة الشعرية من الاستعمال العادي لتعيد تشكيل الواقع عبر الإيقاع والانزياح الصوتي والتركيب غير المألوف. لقد رأى ياكبسون في شعر خليبنيكوف مثالًا على أن الشعر ليس زخرفة لغوية، بل إعادة تنظيم جذرية لعلاقة الإنسان باللغة؛ إذ تتحول الكلمات من وسائل دلالة إلى كائنات صوتية تمتلك طاقة خلق خاصة.
ومع انتقاله إلى الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، اتسع مشروعه النظري ليبلغ ذروة نضجه. ففي محاضراته وأبحاثه هناك، أعاد صياغة فهم البلاغة القديمة عبر تمييزه الشهير بين الاستعارة والكناية، لا بوصفهما مجرد محسنين بلاغيين، بل باعتبارهما مبدأين ذهنيين يحكمان إنتاج المعنى الإنساني كله. فالاستعارة تقوم على التشابه والاستبدال، بينما تقوم الكناية على المجاورة والعلاقة السياقية؛ وهما، في تصوره، قطبان يتحرك بينهما التفكير البشري ذاته، لا الشعر وحده.
ومن هذا الاكتشاف انبثق تصور جديد للأسلوبية بوصفها علمًا لسانيًا يدرس كيفية تشكّل الأثر الجمالي داخل اللغة. لم تعد الأسلوبية وصفًا لخصوصية الكاتب، بل تحليلًا للوظائف اللغوية التي تجعل الخطاب أدبيًا. وهنا طرح ياكبسون مفهوم “الوظيفة الشعرية”، حيث يتركّز الخطاب على بنيته الداخلية، فيغدو الإيقاع والتوازي والتكرار عناصر منتجة للمعنى لا مجرد وسائل زخرفية.
إن أهمية ياكبسون لا تكمن فقط في تأسيسه للأسلوبية الحديثة، بل في نقله الدراسة الأدبية من الانطباعية إلى العلمية دون أن يفقد الأدب روحه. فقد كشف أن الشعرية ليست خاصية غامضة، بل نظام علاقات يمكن تحليله، وأن الجمال نفسه قابل للفهم عبر قوانين التنظيم اللغوي. وبهذا المعنى أصبح مشروعه نقطة التقاء بين اللسانيات والنقد الأدبي، حيث لم يعد النص الأدبي مجالًا للذوق وحده، بل فضاءً يمكن فيه للعلم أن يفسر كيف تولد الدهشة من داخل اللغة.
وهكذا أسّس ياكبسون رؤيةً جعلت اللغة مركز الثقافة الإنسانية: فحين نفهم كيف تعمل الأصوات داخل المعنى، نفهم كيف يفكر الإنسان، وكيف يبني خياله، وكيف تتحول الكلمات — في لحظة الشعر — إلى شكلٍ من أشكال المعرفة. فالشعر، عنده، ليس كلامًا جميلًا، بل تجربة إدراكية تكشف أن اللغة لا تصف العالم فقط، بل تعيد خلقه في كل مرة تُنطق فيها.