عندما ينقلب الجمال إلى سؤال مُقلق____
بقلم خليفة عبد السلام ________________

في لحظةٍ فارقة من تاريخ الثقافة العربية، لم يعد الجمال مجرد زينة لغوية أو زخرف بلاغي، بل تحول إلى سؤال فلسفي صادم يهزّ بنية النص الأدبي من الداخل. ما الذي يجعل نصًا ما “جميلًا”؟ وهل الجمال قيمة مطلقة أم انعكاس لسلطة ثقافية واجتماعية؟ هذه الأسئلة، التي طالما انشغلت بها فلسفة الفن، وجدت طريقها أخيرًا إلى قلب الأدب العربي، محدثةً انقلابًا في طريقة الكتابة والتلقي معًا
لقد كان الأدب العربي، عبر قرون طويلة، أسير معايير جمالية شبه ثابتة: الفصاحة، البيان، والقدرة على الإبهار البلاغي. لكن مع دخول مفاهيم علم الجمال الحديثة، لم يعد النص يُقاس فقط بمدى انسجامه مع هذه المعايير، بل بقدرته على زعزعتها. وهنا تكمن الصدمة: الجمال لم يعد مرادفًا للانسجام، بل أصبح أحيانًا مرتبطًا بالفوضى، بالتشظي، وحتى بالقبح
هذا التحول الفلسفي كشف عن أزمة عميقة في فهمنا للنص الأدبي. فالنص العربي المعاصر لم يعد يسعى إلى إرضاء القارئ، بل إلى استفزازه. لم يعد يقدّم المعنى جاهزًا، بل يضع القارئ في مواجهة فراغات وتأويلات لا نهائية. وكأن الأدب يقول لنا: الجمال الحقيقي ليس فيما نراه، بل فيما نعجز عن فهمه.
الأخطر من ذلك أن هذا التداخل بين علم الجمال وفلسفة الفن كشف عن علاقة خفية بين السلطة والجمال. من يحدد ما هو جميل؟ ولماذا تم تهميش أشكال تعبيرية كاملة في الأدب العربي بدعوى أنها “غير جميلة”؟ هنا يتحول السؤال الجمالي إلى سؤال سياسي بامتياز، يفضح آليات الإقصاء والتهميش داخل الثقافة.
لقد أصبح النص الأدبي العربي ساحة صراع بين رؤيتين: رؤية تقليدية ترى الجمال في النظام والوضوح، وأخرى حديثة ترى فيه التوتر والغموض. وبين هاتين الرؤيتين، يقف القارئ العربي حائرًا، ممزقًا بين ما تعلّمه وما يُطلب منه أن يتقبّله.
لا يمكن إنكار أن هذا “الانفجار الجمالي” قد أعاد الحيوية إلى الأدب العربي، لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام تحدٍ خطير: هل يستطيع القارئ العربي مواكبة هذا التحول، أم أن الفجوة بين النص والمتلقي ستتسع إلى حد القطيعة؟
ربما تكمن الصدمة الحقيقية هنا- ليس في تغيّر مفهوم الجمال، بل في اكتشافنا أننا لم نكن نفهمه أصلًا.
