من خيال الحروف___

بقلم أ.عبد العالي لعجايلية__________


لم تكن الحروف يومًا حبرًا يُسكب، بل كانت كائناتٍ تتربص بوعيي، تقتات من يقظتي، وتعيد تشكيل روحي كلما ظننت أني بلغتُ مني يقينًا.
تستهويني روح الوصال؛ لا لأن اللقاء غاية، بل لأن التيه فيه وعدٌ مستتر. فأمضي، لا أسير، بل أُساقُ عبر أشرعةٍ لا تبحر في المدى، بل في داخلي… حيث الفراغ يتنكر في هيئة امتلاء.
أجدّف بحنايا الشوق، هربًا من شواطئٍ كلما بلغتُها لفظتني كجسدٍ غريبٍ في منفى الوجود.
وهناك—حيث تتواطأ الروح مع الوهم—تولد جزيرة الأحلام؛ لا أرضًا تُطأ، بل فكرةً تتجسد، وسرابًا يرتدي قناع اليقين.
في حضرة ذلك الصفاء الماكر، تغمرني جحافل الحنين، لا كذكرياتٍ عابرة، بل كجيوشٍ تستعيد أرضًا ظننتها لي. فأصير عاشقًا، لا لأنني أحب، بل لأن العشق درعٌ ترتديه الذات حين تعجز عن مواجهة عريها.
لكن الحلم—كعادته—لا يُنقذ، بل يؤجل السقوط.
تتصدع الرؤيا كمرآةٍ ضاقت بحقيقتها، وتنقلب الأجنحة قيودًا، ويُلفظني النور كما يُلفظ الجسدُ روحًا لم تعد تنتمي.
أعود… لا رجوعًا، بل انكشافًا.
أجرّ خلفي خيباتي، كدلائل إدانةٍ تُثبت أني كنتُ الحاضر الوحيد في كل هزائمي.
فألوذ بكهفٍ ظننته ملاذًا… وكان رحمًا مقلوبًا، يلد الموت بدل الحياة.
أشعل عود ثقاب— فلا يضيء المكان، بل يفضحني.
جماجم… عظام…
وصمتٌ يشي بأن النهاية ليست حدثًا، بل حالةٌ دائمة.
أقترب… فأرى هيكلًا لم يكتمل تحلله، كأنه ترددٌ طويل بين الوجود والعدم. وعلى لفافةٍ بالية، نقشٌ يقطر سخرية:
“هنا يرقد… عاشقٌ لم يُحسن الهروب.”
حينها أدركت—لا بفكرة، بل برجفة— أن الكهف لم يكن مكانًا، بل كان “أنا” التي اخترتُ أن أسكنها.
وأن الهاربين لا يموتون لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لم يجرؤوا على الالتفات لمواجهة ما يفرون منه.
توقفتُ عن الهروب.. لا انتصارًا، بل اعترافًا.
خطوتُ خارج الكهف، كمن يخرج من نفسه لأول مرة.
لم أسقط من سريري هذه المرة..
بل سقطتُ من غفلتي إلى يقظةٍ جارحة.
ولم أفتح عينيّ لأتأكد إن كان ما رأيتُ حلمًا،
بل لأتساءل:
أيّنا كان يحلم بالآخر الآن… أنا، أم “أنا” التي تركتُها في الكهف؟