الإبداع كفعل مقاومة- ضد التفاهة، ضد التزييف، ضد الاستسهال _________
بقلم خليفة عبد السلام _______________

لم يعد الإبداع اليوم مفهوما بريئا ..لقد جرى تدجينه، تلميعه، وتسويقه حتى أصبح سلعة خفيفة تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة أكبر، ما يُقدم على أنه “إبداع” في كثير من السياقات ليس سوى إعادة تدوير للسطح، أو مهارة في الإخراج لا في الفكرة، او قدرة على جذب الانتباه لا على زعزعته- وهنا تحديدا تبدأ الأزمة: حين يُفرغ الإبداع من طبيعته القلقة، ويُعاد تعريفه كمنتج مريح، سهل، وقابل للبيع
الإبداع في جوهره ليس فعل إنتاج، بل فعل مواجهة. مواجهة مع اللغة حين تعجز، مع الفكر حين يتصلّب، ومع الواقع حين يبدو مكتملا ومغلقًا. المبدع الحقيقي لا يُجمّل العالم، بل يخلخله. لا يضيف طبقة جديدة من المعنى بقدر ما يكشف هشاشة المعاني القائمة. الإبداع ليس زخرفة، بل تفكيك. ليس تزيينا للواقع، بل تشكيكا فيه- الإبداع ليس أن تصنع نسخة من شيءٍ موجود، بل أن تضيف شيئاً لم يكن موجودا في ذهن الناس قبل أن تلمسه
كل إبداع حقيقي يحمل في داخله نزعة هدم. ليس هدما عبثيًا، بل هدما يستهدف الأوهام المستقرة: أوهام الفهم، أوهام الجمال، أوهام الحقيقة النهائية. ولهذا السبب تحديدا، يُخيف الإبداع. لأنه يهدد اليقين، ويضع الإنسان أمام فراغ المعنى .. حيث لا شيء مضمون ولا شيء مكتمل
في المقابل، ما نشهده اليوم هو صعود “الإبداع المروض”: إبداع لا يصدم، لا يزعج، لا يطرح أسئلة حقيقية. إبداع يُصمَّم ليتوافق مع الخوارزميات، لا مع القلق الوجودي. هذا النوع من الإنتاج لا يهدف إلى التفكير، بل إلى الاستهلاك. إنه يملأ الوقت، لكنه لا يملأ الفراغ الداخلي. يقدم كثافة شكلية تخفي فراغا مفاهيميا
أما التبطين، فهو الشكل الأكثر خداعًا لهذا الزيف. إذ تُلبس الأفكار السطحية لباسًا لغويا معقدا، فتبدو عميقة وهي خاوية.. يُستبدل الغموض بالعمق، والالتواء بالفلسفة. لكن الحقيقة أن الإبداع لا يحتاج إلى الاختباء خلف اللغة، بل إلى اختراقها. ليس المطلوب أن يكون العمل غامضًا، بل أن يكون صادقًا إلى حد الإزعاج
الإبداع الحقيقي مرتبط بالحرية، لكن ليس بالمعنى السطحي للكلمة. الحرية هنا ليست أن تقول أي شيء، بل أن تكون قادرا على قول ما لا يُقال، أن تفكر خارج الأطر التي تشكّلت داخلك دون أن تشعر. إنها تحرر من القوالب الذهنية قبل أن تكون تحررًا من القيود الخارجية
ثم إن الإبداع ليس لحظة إلهام سحرية كما يُروَّج له، بل هو صراع طويل مع الفشل. كل عمل أصيل هو نتيجة سلسلة من الانكسارات، من المحاولات التي لم تنجح، من الأسئلة التي لم تجد جوابًا. المبدع لا ينتج لأنه يعرف، بل لأنه لا يعرف. لأنه يعيش في حالة نقص دائم، في بحث لا ينتهي
وفي هذا المعنى، الإبداع ليس ترفا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية. إنه الطريقة التي يعيد بها الإنسان تعريف نفسه في عالم متغير. هو ما يمنع الفكر من التحجر، واللغة من التكلس، والواقع من التحول إلى يقين مغلق
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإبداع هو أن يصبح مقبولًا أكثر من اللازم. لأن القبول السريع غالبًا ما يعني أنه لم يقل شيئًا جديدا. الإبداع الحقيقي دائما يأتي متأخرًا عن الفهم، ومبكرا على التقبل. يُرفض أولًا، يُساء فهمه، ثم يُعاد اكتشافه
لهذا، فإن الدفاع عن الإبداع اليوم هو دفاع عن العمق ضد السطح، عن القلق ضد الطمأنينة الزائفة، وعن السؤال ضد الإجابة الجاهزة. ليس المطلوب المزيد من “المحتوى”، بل المزيد من الجرأة على التفكير. وليس المطلوب أن نُنتج أكثر، بل أن نقول شيئًا يستحق أن يُقال
الإبداع، في نهايته، ليس ما يُدهشنا للحظة، بل ما يُقلقنا طويلًا
