نبعٌ لا يُسيّج نفسه: في سيزيفية العطاء وقيامة الذات__
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية________

في برزخ الليل، حين يرتدّ الضجيج إلى أصله الأول، تنهض هي.. لا كقديسةٍ تباركُ البيت، بل كأثرٍ مُتعبٍ يرمّم ما تصدّع في غفلة الجميع. تتحرك بصمتٍ خشن، صمتٍ يشي بوخز المفاصل وبقايا نهارٍ لم ينتهِ بعد. لا تهدهدُ الأشياء برفقٍ ملائكي دائمًا، بل أحيانًا تدفعها بآليةٍ مُرهقة، كأنها في سباقٍ مع فجرٍ يهددُ بكشفِ عوراتِ البيتِ المبعثر.
تعيدُ للنظام هيبته، تشحنُ الهواتف التي استنزفتها ثرثرةُ النهار، وترتبُ الأسرّة التي احتضنت أحلاماً لم تكن هي بطلتها يوماً. لا أحد يرى اليد التي تمسح الغبار، لكن الجميع يستنشقُ النقاء كأنه حقٌ مكتسب، كأنه “بدهيةٌ” كونية لا تستوجبُ الالتفات.
كانت كنبعٍ خفيّ، يتدفق من عمقٍ استمرأ الصمت حتى صار جزءاً من تضاريسه. يشرب منه العطاش، ثم ينسبون الريّ إلى براعة الكؤوس، أو إلى “عبقرية” عطشهم الشخصي، وينسون أن تحت هذا السكون وريداً ينزفُ ليبقى العشبُ حياً. وهنا تكمنُ الفجيعة: “مأساة المعجزة اليومية”. فالشمسُ التي تشرقُ كل يوم لا تُشكرُ على ضيائها، بل تُلعنُ إذا احتجبت خلف غيمة. لقد أدمنت الأمُّ دور “المصدر”، وأدمنوا هم دور “المصب”، حتى ذابت الحدود، وصار العطاءُ واجباً وظيفياً لا هبةً اختيارية.
استيقظ الابنُ غاضباً، لا لغياب الضوء، بل لتعثرِ الشحن؛ فالهاتفُ صار أهمّ من اليد التي وصلته بالكهرباء. ورأت الابنة في الترتيب قانوناً طبيعياً يشبه الجاذبية، لا أثراً لظهرٍ انحنى في عتمة الفجر. أما الصديقة، فقد حوّلت الودّ إلى استحقاق، وصار غيابُ السؤالِ عنها “خيانةً” لميثاقٍ لم توقعه هي أصلاً.
في صمت كل ذلك، كانت هي تنكمش.. ليس زهداً، بل تآكلاً. اكتشفت متأخرةً أن العطاء حين لا يُحاط بـ “سياج”، يتحول إلى “مشاعٍ” مستباح. وأنها بتماديها في المحو، ألغت حقها في أن تكون “إنساناً” يخطئ، يتعب، ويطالبُ بالاعتراف. هي التي علمتهم الاتكال عليها، تجني الآن ثمار “عجزهم” الذي صنعته بيديها.
كانت شمعةً تذوب لتُرى بها الأشياء، لكن أحداً لم يسأل عن “فيزياء الاحتراق”؛ عن الرائحة النفاذة للفتيل وهو يحتضر، أو عن بقايا الشمع المتجمد كدموعٍ صلبة على وجه الطاولة. سُئلت عن “الضوء” فقط، كأن الاحتراق خاصيةٌ ميكانيكية لا ألم فيها.
عندما قالت “لا” أخيراً، لم يكن صوتاً جهورياً، بل كان “شهقةً” لغريقٍ قرر أن يلمس القاع ليدفع نفسه نحو السطح.
لم تكن “لا” لتدمير الآخرين، بل لترميم بقاياها. لم تكن ثورةً، بل كانت “اعترافاً بالضعف”.
أدركت في تلك اللحظة أن النبع الذي لا يحرس ماءه، لا يغدو مستنقعاً فحسب، بل يغدو سبباً في هلاك العطاش أنفسهم حين يجفّ فجأة. وأن الكرم، إن لم يصنه وعيٌ بالذات، يصير انتحاراً ناعماً يُمارس باسم الفضيلة.
لم يكن انسحابها جحوداً، بل كان فكَّ ارتباطٍ بـ “قداسةٍ” زائفة أرهقتها. كان درساً قاسياً بأن السماء لا تُمطرُ طمأنينةً بالمجان، وأن على الأجنحة التي اعتادت الارتكاء على ريشها أن تتعلم مرارة التحليق في الريح.
أحياناً، لا يبدأ الإنسان في الحياة إلا حين يرفض أن يكون مجرد “وسيلة” لوجود الآخرين.
وأحياناً، تكون النجاة.. في أن تعتذر الشمعةُ عن الاحتراق، لتجبر الجميع على البحث عن مصادر ضوئهم الخاصة.
