مقاربة في فلسفة الدولة على ضوء الراهن السياسي___
بقلم أ. كمال لعرابي_____________

تنهض هذه المقاربة على فرضية جوهرية؛ وهي أن الخيط الرفيع الذي يفصل بين الدولة القوية ونظيرتها الهشة لا يرتبط بحجم الثروات أو الكثافة الديموغرافية، بل يتجلى أساساً في صلابة مؤسساتها السيادية، وقدرتها على إعلاء منطق “الدولة” فوق صخب الخطابات الشعبوية وتجاذبات جماعات المصالح. من هنا، تسعى هذه القراءة إلى تتبّع مسارات بناء هذه المؤسسات، وتفكيك العوائق البنيوية -سواء كانت ثقافية أم اقتصادية- التي تقف حجر عثرة أمام أي تحول ديمقراطي جاد. ولتحقيق ذلك، تستند الدراسة إلى مرجعيات فلسفية وسياسية رصينة، مع استدعاء شواهد حية من المشهد الدولي المعاصر، وفي مقدمتها الأزمة الإيرانية (2025-2026). وتخلص في نهايتها إلى أن العبور من مستنقع الفساد إلى رحاب “دولة الحق والقانون” ليس مجرد قرار سياسي، بل هو مخاض عسير يتطلب تضافر ثلاثة عناصر لا غنى عنها: وعي شعبي متجذر، ومؤسسة أمنية وطنية محايدة، وعامل زمني لابد أن يأخذ مداه، إلى جانب شجاعة فكرية تفتقدها المعارضات غالباً في نقد ذاتها والاعتراف بالعقبات الهيكلية الحقيقية.
بالعودة إلى الجذور الفلسفية لمفهوم الدولة، وتحديدا مع توماس هوبز في سفره الخالد “اللفياثان”، نجد أن النظام الدولي ليس في صميمه سوى امتداد صريح لـ”حالة الطبيعة” الأولى. فقد لخّص هوبز هذا المشهد بعبارته العميقة: “حرب الكل ضد الكل” (Hobbes, 1651, Ch. 13) ليضع بذلك حجر الأساس لفهم سيكولوجية السياسة الدولية قبل قرون من تبلور نظرياتها الحديثة. إن ما نصطلح على تسميته اليوم بـ”النظام الدولي” لا يعدو كونه توازنا هشا ومتقلبا للقوى، وهو ما تفضحه الصراعات المشتعلة حالياً من أوكرانيا إلى غزة وصولا إلى السودان؛ فهذه الحروب ليست إلا تجليات صارخة لحقيقة قاسية طالما سعت الخطابات الحقوقية والديمقراطية إلى إخفائها تحت عباءة الشعارات الواهمة. وهذا الفهم الواقعي هو ما رسّخه ريمون آرون في كتابه “السلام والحرب بين الأمم”، حين أشار بوضوح إلى أن العلاقات الدولية محكومة بـ”غياب المحكمة العليا التي يمكن الاحتكام إليها” (Aron, 1962, p. 6)، مما يجعل استقرار العالم مرتهنا دائما بلغة القوة وموازينها، لا بنصوص القانون المجردة.
وفق هذا المنطق، فإن هيبة الدولة لا تُوزن بنصوص دساتيرها أو ببلاغة خطابات قادتها، انما توزن بمدى مناعة مؤسساتها السيادية وقدرتها الفعلية على إنفاذ إرادتها. وهنا يكمن مربط الفرس في التمييز بين الدول؛ ففي حين تمتلك الدول القوية مؤسسات راسخة تعمل بآليات تتجاوز نزوات الأفراد والتسويات المؤقتة، نجد أن هذه المؤسسات في الدول الرخوة تتقزم لتصبح مجرد أداة بيد “لوبي” نافذ أو ساحة لتصفية الحسابات بين مراكز قوى متناحرة، قد تتحالف حينا مع الأجهزة الأمنية أو تصطدم بها حينا آخر. وهذا التشظي هو التفسير الأدق لظاهرة “صراع الأجنحة” التي نشهد فصولها الدامية في دول كالسودان ولبنان. وقد سبق لماكس فيبر، في مقاربته الشهيرة “السياسة بوصفها حرفة”، أن حذّر من مآلات هذه الهشاشة، حين عرّف الدولة بأنها “الكيان البشري الذي ينجح في احتكار حق الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل نطاق جغرافي محدد” (Weber, 1919) وبناء عليه، متى ما تصدع هذا الاحتكار وتوزع بين فصائل وميليشيات، سقطت فكرة “الدولة” بمعناها الحقيقي، ولم يتبقَّ سوى أمراء حرب يتقاسمون النفوذ على رقعة جغرافية واحدة.
ولعل المشهد الإيراني الراهن يقدم لنا اليوم أبلغ تجسيد عملي لهذا الصدام البنيوي بين سطوة المؤسسة الأمنية وإرادة الشارع. ففي الثامن والعشرين من ديسمبر 2025، تفجرت موجة غضب عارمة، صنفها المراقبون كأضخم حراك شعبي تشهده البلاد منذ ثورة 1979. اجتاحت شرارة الاحتجاجات أكثر من مئتي مدينة، منطلقة في بدايتها من احتقان اقتصادي خانق تمثل في الانهيار المريع للعملة الوطنية “الريال” تفاقم التضخم. غير أن سقف المطالب سرعان ما ارتفع، متجاوزا لقمة العيش ليصل إلى المطالبة الجذرية بإسقاط النظام برمته. وقد أماطت هذه الأزمة اللثام عن شرخ عمودي حاد داخل أروقة النخبة الحاكمة؛ ففي حين حاول الرئيس بزشكيان احتواء الشارع في الأيام الأولى عبر الإقرار بمشروعية المظالم الاقتصادية والدعوة إلى فتح باب الحوار، جاء الرد حاسما من أعلى هرم السلطة. ففي التاسع من يناير 2026، تبنى المرشد الأعلى خامنئي مقاربة متشددة، موجها للمتظاهرين تهمة تخريب بلادهم كأدوات لتنفيذ أجندات واشنطن، مما يعكس بوضوح أزمة الدولة حين تقف مؤسساتها الصلبة في مواجهة مفتوحة ورافضة لأي تسوية مع مجتمعها. فتتجلى المعضلة البنيوية هنا في أبهى صورها؛ فقد أرست الجمهورية الإسلامية دعائم ما يصح وصفه بـ”حوكمة الاحتواء”. إنها استراتيجية تبتعد عن ثنائية الإصلاح التوافقي أو القمع المطلق، لتعتمد بدلا من ذلك على خلطة معقدة قوامها القمع الانتقائي، والهندسة التكنوقراطية، وتوجيه السرديات. هذا النمط يعيد إلى الأذهان مقولة ماكس فيبر العميقة بأن القوة المجردة من الشرعية لا تبني دولة، بل تخلق آلة للسيطرة تحمل في أحشائها بذور فنائها. وما يزيد المشهد تعقيدا هو الاصطفاف المطلق للأجهزة الأمنية الإيرانية خلف النظام إبان الاحتجاجات، وغياب أي بوادر للانشقاق، وهو ما يضعنا أمام تساؤل فلسفي حاد: هل يكفي الولاء المؤسسي، المعزول عن الرضا الشعبي، لبناء دولة حقيقية، أم أنه مجرد آلية مؤقتة لضمان البقاء؟
وما يضفي على المشهد خطورة بالغة هو أن الاحتجاجات الحالية تتبلور وسط قناعة شعبية راسخة بأن الأزمة لم تعد عارضة أو قابلة للترميم، بل استحالت عاهة بنيوية مزمنة. هذا الإدراك أفرز نمطا تعبويا مغايرا: متقطعا، وعشوائيا، ومفتقراً للزخم التنظيمي، وسرعان ما ينكفئ أمام ضربات القمع أو فتات التنازلات. إننا هنا أمام تجسيد حي لما أسماه أنطونيو غرامشي بـ”أزمة السلطة”، تلك اللحظة الفارقة التي تسقط فيها “أقنعة الموافقة” لتسفر عن الوجه الكالح لـ”قبضة القوة”؛ حيث تُفلس قدرة النظام على ممارسة الحكم عبر الهيمنة الثقافية، فلا يتبقى أمامه سوى اللجوء إلى الإكراه العاري.
وتأسيسا على ذلك، يبدو أن الطريق نحو إرساء مؤسسات سيادية حقيقية ينحصر في مسارين لا ثالث لهما. يتمثل المسار الأول في ارتقاء الوعي الشعبي إلى مستوى يتيح للجماهير فرز التيارات داخل أروقة السلطة، وعقد تحالفات مع القوى المعتدلة في مواجهة الأجنحة المتصلبة. بيد أن هذا المسار يصطدم بجدار بنيوي سميك، فكّكه غرامشي حين أوضح أن هيمنة أي فئة اجتماعية تتجلى في مسارين: “السيطرة المادية” و”القيادة الفكرية والأخلاقية”، ليؤسس بذلك لمفهوم يتجاوز القهر المادي إلى الاستيعاب الثقافي العميق. وفي الحالة الإيرانية على وجه الخصوص، عانت الاحتجاجات من غياب القيادة الموحدة في الداخل، وافتقرت إلى المشروع السياسي المتماسك، ناهيك عن انعدام أي انقسام حقيقي داخل النخبة الحاكمة يمكن استثماره لتحويل الغضب في الشارع إلى تغيير مؤسسي. وهذا يعكس، بمرارة، عجز الوعي الشعبي حين يُجرد من الحاضنة التنظيمية والبنية التحتية للعمل السياسي.
ولم تكن الاحتجاجات الراهنة سوى حلقة في سلسلة من الموجات الغاضبة التي تعاقبت منذ “الحركة الخضراء” عام 2009. وقد فضحت هذه التراكمات مفارقة مأساوية؛ فمع كل موجة جديدة، كانت تتسع شروخ الشرعية وتتآكل قدرة الدولة على الحكم بالرضا والموافقة، لكن دون أن يُترجم ذلك إلى أي تحول مؤسسي ملموس. يفسر غرامشي هذه المعضلة في تحليله للأزمات السياسية، محذراً من أن الطبقة الحاكمة التقليدية، بما تملكه من كوادر متمرسة، قادرة على استرداد زمام السيطرة وإعادة امتصاص الصدمات بسرعة تفوق بكثير قدرة الطبقات الدنيا على استثمارها. وهكذا، تتحول الأزمة العميقة، التي تبدو في ظاهرها تهديداً، إلى فرصة يغتنمها النظام لترميم باطنه وتجديد آليات بقائه.
أما المسار الثاني لبناء مؤسسات سيادية حقيقية، فيمر عبر بوابة المؤسسة الأمنية ذاتها؛ وذلك حين تؤول قيادتها إلى عناصر وطنية نزيهة، قادرة على التصدي لشبكات المصالح ومراكز النفوذ، لتأخذ على عاتقها هندسة الدولة، وفرض خارطة طريق تفتح الآفاق نحو حكم تشاركي متدرج ومدروس. غير أن صامويل هنتنغتون، في كتابه “النظام السياسي في مجتمعات متغيرة”، أطلق تحذيرا بالغ الأهمية من الوهم الذي يسيطر على العديد من الأنظمة حين تعتقد أن التنمية الاقتصادية وحدها كافية لاستيعاب التطلعات السياسية. لقد لخص هنتنغتون الأمر بعبارة مكثفة مؤكداً أن “الفارق الجوهري بين الدول لا يكمن في شكل الحكومة، بل في مستوى الحوكمة”؛ بمعنى أن المعيار الحقيقي هو مرونة المؤسسات وقدرتها على التكيف مع المد المتصاعد للمشاركة الشعبية دون أن تتداعى أو تنهار.
يبدو هذا المسار شاقا ومعقدا، فالطريق ملغّم بتحديات جسيمة تبدأ من عمق الصراع الحضاري، ولا تتوقف عند مصالح فئات واسعة من المجتمع ذاته؛ تلك الفئات التي تقف حجر عثرة أمام قيام دولة القانون، خشية أن يعصف بامتيازاتها المتجذرة. ولعل المشهد الإيراني يجسد هذا التعقيد بأجلى صوره؛ إذ يكمن الخطر الحقيقي اليوم في إعادة إنتاج الماضي بثوب جديد. يتجلى ذلك في صعود شخصيات تستثمر في يأس الجماهير وحنينها الماضوي، لتقدم نفسها بوصفها “المخلّص الأوحد” من أزمة بنيوية عميقة، مما ينذر بخطر استنساخ السلطة الفردية الاستبدادية بوجوه مغايرة. وهنا، تبرز راهنية التحذير العميق الذي وجهه جاك لاكان لطلاب جامعة فينسان عام 1969 حين قال: “ما تطمحون إليه بوصفكم ثوريين هو سيد، وستحصلون على واحد” (Lacan, 1969)، في إشارة ثاقبة إلى تلك الدوامة التي تجعل الثورة أسيرة لذات الهياكل السلطوية التي قامت لتدكّ عروشها.
إن الانتقال من براثن دولة تديرها منظومة فساد إلى رحاب دولة الحق والقانون ليس مجرد قفزة في الهواء، انما هو مسار زمني طويل؛ وهي حقيقة دامغة طالما تعمد الخطاب الشعبوي طمسها أينما وُجد. فحتى عندما تؤول مقاليد الحكم إلى سلطة وطنية صالحة، فإنها تصطدم بجبال من التركات الثقيلة وخرائب الفساد المتراكم، مما يجعل مهمتها مضنية ومحاطة بشكوك أولئك الذين أدمنوا الوعود الشعبوية وطالبوا بتغيير سحري وفوري. وفي هذا السياق، حذّر كارل بوبر في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” من سراب “الهندسة الاجتماعية الشاملة” التي تدّعي قدرتها على إعادة صياغة المجتمع جذريا وفق خطة طوباوية جاهزة. وبدلا من ذلك، دعا إلى ما أسماه “الهندسة التدريجية” التي تقوم على مبدأ “استئصال أشد الشرور إلحاحا، عوضا عن السعي الحالم لفرض أسمى درجات الخير” (Popper, 1945, Vol. 1, p. 158) وهذا التمييز الدقيق هو المفتاح لفهم إخفاق الثورات السريعة في بناء دول مستقرة ومؤسسات راسخة، حتى وإن تكللت بالنصر في ساحات الميادين.
وعلى أرض الواقع، توضع مصداقية أية سلطة إصلاحية على محك الاختبار اليومي في معركة تميل كفتها غالباً لصالح قوى الشد العكسي؛ ذلك أن الإصلاح الجذري بطبيعته لا يثمر إنجازات فورية يمكن تسويقها في مهرجانات الخطابة الشعبوية. ولعل أبلغ تجسيد لهذه المأساة السياسية هو الموقف الذي وجد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه فيه؛ فالرجل الذي ساند بشجاعة احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، اصطدم بواقع السلطة حين تولى الرئاسة، ليجد نفسه مضطرا لتقديم موازنة ترفع الإنفاق الأمني، في حين لم تتجاوز الزيادة المقررة في الأجور نصف معدل التضخم. إنه مثال حيّ وصارخ على الكيفية التي يمكن للبنية المؤسسية العميقة أن تكبّل يدي أكثر القادة نزاهة وصدقاً في النوايا.
وتقتضي الأمانة الفكرية هنا أن نقرّ بواقع تتفادى معظم حركات المعارضة في الفضاء العربي والإقليمي مواجهته، وهو العائق البنيوي المتجذر المتمثل في أن شعوبا بأسرها قد تشرّبت، على مدى عقود، ثقافة الاتكالية والاقتصاد الريعي. وهذا التشرب العميق يجعل من الانتقال نحو اقتصاد السوق، وبناء مجتمع المعرفة، وخلق القيمة المضافة، تحديا اجتماعيا وحضاريا بالغ التعقيد، وليس مجرد جرة قلم بقرار سياسي. لقد فنّد كارل بولاني في كتابه “التحول الكبير” وهم طبيعية الأسواق، مؤكدا أن السوق “ليس إفرازا عفويا لميول فطرية لدى البشر”، وانما “ثمرة إجراءات سياسية متعمدة” (Polanyi, 1944, p. 139)١٠. وعليه، فإن تفكيك بنية الاقتصاد الريعي وتأسيس اقتصاد معرفي منتج لا يتطلبان خطابات رنانة أو تحريض جماهيري، فقط يستوجبان إرادة سياسية جبارة وصياغة عقد اجتماعي جديد كليا.
وبالعودة إلى الحالة الإيرانية على وجه الخصوص، نجد أن المحتجين طالما زاوجوا بين مظالمهم المعيشية ونقدهم اللاذع للسياسة الخارجية للنظام، وهو ما تجلى بوضوح في هتافهم الشهير: “لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران”. يحمل هذا الشعار دلالة قاطعة على أن الوعي الشعبي لم يعد يفصل بين الانهيار الاقتصادي الداخلي، وبين سياسات استنزاف مقدرات الدولة وتوجيهها لخدمة مشاريع جيوسياسية عابرة للحدود على حساب لقمة عيش المواطن واحتياجاته الأساسية. غير أن هذه المعضلة الشائكة هي ذاتها التي تتهرب المعارضة في المنافي من مقاربتها بعمق؛ فتفكيكها سيعري حتماً هشاشة المشاريع الحالمة التي يسهل التغني بها من مقاعد المعارضة المريحة، بعيداً عن وطأة المسؤولية الحقيقية وتبعاتها الثقيلة. وكما يلاحظ المراقبون، فإن تلميع بعض وجوه المعارضة في الخارج يبدو في جوهره صنيعة آلات إعلامية، أكثر من كونه امتداداً لقواعد تنظيمية صلبة في الداخل، وهو ما يعيد إنتاج أزمة الشرعية ذاتها، ولكن هذه المرة في هيئة معارضة تعاني هي الأخرى من فقر مدقع في البناء المؤسسي.
ومما يزيد المشهد تعقيدا تلك المعضلة البنيوية العميقة التي يختزلها تاريخ الدولة الإيرانية الحديثة؛ فخلال قرن مضى، وتحديدا منذ نشأتها عام 1925، شهدت البلاد تعاقب نظامين يتناقضان في الأيديولوجيا والبناء المؤسسي، لكنهما يلتقيان عند جوهر واحد: المركزية المفرطة، وسحق المعارضة، واحتكار التمثيل السياسي. هذا الواقع ينقلنا من التساؤل حول “شكل” النظام السياسي، إلى تفكيك “الثقافة السياسية البنيوية” التي تتكفل بإعادة إنتاج السلطة المركزية، مهما تبدلت شعاراتها الأيديولوجية المعلنة.
وفي هذا السياق، تبرز بصيرة حنة أرندت في كتابها “في الثورة”، حيث حذرت من هذا الفخ بالتفريق بين “الحرية السلبية” التي تعني مجرد الانعتاق من نير الطغيان، و”الحرية الإيجابية” التي تتجسد في الانخراط الحقيقي لبناء مؤسسات وليدة، مشددةً على أن الأولى لا تقود بالضرورة إلى الثانية (Arendt, 1963, p. 22). من هذه الزاوية بالذات، يكتسب تحذير جاك لاكان دلالته العميقة حين رأى أن الثوار، في نهاية المطاف، يبحثون لا شعوريا عن “سيد” جديد أشد سطوة وحضورا؛ مما يؤكد أن علة الاستبداد لا تكمن في شخوص الطغاة، بل في البنى الذهنية العميقة التي تنجبهم.
بناءً على ذلك، تظل الأزمة مستعصية تتأرجح بين خطاب شعبوي قاصر عن إرساء دعائم دولة حقيقية، وبين واقع مرير يصعب معه تشييد مؤسسات سيادية صلبة فوق أرضٍ أنهكها الفساد والارتهان. ولم تكن انتفاضات الربيع العربي، وما تلاها من أزمات إيرانية متجددة، سوى تجليات تاريخية صارخة لهذه المعادلة القاسية؛ فقد تدفقت الجماهير نحو الميادين محملة بأحلام التغيير، لتصطدم بحقيقة أن الحرية وحدها -مهما عظمت- لا تكفي لبناء الأوطان.
وهي المعضلة التي لخصتها أرندت ببراعة فائقة حين لاحظت أن “الثورة الحديثة استهلت مسيرتها بالتحرر، لكنها انتهت بالإخفاق في التأسيس” (Arendt, 1963, p. 140) فالبون شاسع بين ثورة تكتفي بكسر القيود وأخرى تنهض بعبء البناء؛ إنه ببساطة الفارق بين فورة الانفعال العابر ومشروع التأسيس العقلاني المتأني. ولعل العبرة الأهم التي نستخلصها من رحم هذه الحقبة المضطربة، هي أن الدول لا تُشيَّد بهدير الشعارات، ولا تُحصَّن بصناديق الاقتراع فحسب، انما تُبنى بمؤسسات تتسم بالرسوخ والنزاهة، قادرة على حماية المجتمع من غوائل الفوضى، بل ومن نزواته ذاتها. كما تتطلب شجاعة فكرية نادرة للاعتراف بأن درب الوصول إلى “دولة القانون” شاق وطويل، ومفروش بتنازلات مريرة يتهرب الكثيرون من الإقرار بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
