الاغتراب في الأدب العربي- جرح الوعي وقلق الوجود__
بقلم روضة بوسيليمي ___________

الغربة ليست حالة عابرة في حياة الأديب، إنّما هي تجربة كاشفة لجوهر العلاقة بين الإنسان والعالم. تتجلّى من خلالها أسئلة الذّات والوجود والانتماء، في لحظةٍ يتكسّر فيها التّوازن بين الدّاخل والخارج. في فضاء الأدب العربي، تبدو الغربة خيطٍا سرّيّا يجمع العصور، من الشّعر الجاهلي الذي عبّر عن القلق في الصّحراء إلى القصيدة الحديثة التي تعالج اغتراب الإنسان بيت ازدحام المدن وضوضاء الحداثة. هي نارٌ سرّية تشتعل في نخاع النّص، تدفع المبدع إلى عزلةٍ تفتح أمامه أبواب البصيرة والتّمرّد.
منذ أبي العلاء المعري، اهتزّ الإطار الاجتماعي والفكري الذي يحتضن الشّاعر العربي، فتجلّى الاغتراب في هيئة عزلةٍ فلسفية تنشد الصّفاء وتواجه الزّيف. في شعره تتردّد نغمة إنسان رافض يرى العالم مسرحًا يعجّ بالتّناقضات. يقول: «هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد»، فيصرّح بمسؤوليته الفردية ويعلن استقلاله الأخلاقي عن الموروث. تتحوّل القصيدة عند المعرّي إلى تأمّلٍ طويل في مصير الإنسان، لا بوصفه متمرّدًا على المجتمع فحسب، بل بوصفه شاهدًا على عتمة الوجود. تلك العزلة الفكرية كانت الشّكل الأوّل لاغتراب المفكّر في بيئةٍ تهاب سؤالا وتخشَى حرّية.
أمّا جبران خليل جبران فقد جعل من الاغتراب جوهرًا لرؤيته الرّوحية والفنّية. في كتاباته، تتجلّى الغربة كثيفة عاطفيّا وروحيّا تشتبك مع ثنائية الجسد والرّوح، الشّرق والغرب، الأرض والسّماء. في الأجنحة المتكسّرة والنّبي يقدّم الإنسان المغترب ككائنٍ يبحث عن وطنٍ يُقيم في الحلم أكثر مما يُقيم في الجغرافيا. يكتب من منفاه الأميركي بروحٍ مشتعلة بالبحث عن معنى للحرّية، وكأنّ الحنين عنده جناحٌ مكسور يحاول الطّيران رغم الألم. تختلف غربته عن غربة المعرّي، فالمعري يتأمّل مأساة الوجود بعقلٍ ساكن، بينما جبران يحتضنها بقلبٍ شعريّ يحوّل الألم إلى نورٍ ومعرفة.
في منتصف القرن العشرين، تسلّل الاغتراب إلى القصيدة العربية الحديثة ليغدو مكوّنًا جوهريًا في بنائها. بدر شاكر السيّاب حمل الغربة في جسده وذاكرته، فكانت قصيدته مرثيةً مستمرّة للحلم المؤجَّل. في أنشودة المطر تتجسّد الغربة في رموز الطبيعة، في المطر والتّراب والموت، حيث يسير الشّاعر في صراعٍ دائم بين الحنين والخلاص. ثمّ تأتي تجربة محمود درويش لتمنح الاغتراب بعدًا إنسانيًا واسعًا. الوطن عنده يتحوّل إلى سؤال، والمكان إلى ذاكرة تتداخل مع الزّمن. يقول: «وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافرًا»، فتتحوّل اللّغة إلى ضرب من المقاومةٍ ضدّ النّسيان، والقصيدة إلى خيمةٍ تحفظ الوجود من التبخّر.
تواصل الرّواية العربية هذا المسار بأساليب مختلفة، إذ جعل غسان كنفاني من الاغتراب جرحًا جماعيًا في رجال في الشّمس حين يختنق اللّاجئون في صهريج مغلق، رمزًا لخذلان الحلم العربي وعجز الإنسان أمام قسوة الواقع. أمّا نجيب محفوظ فقد قدّم في الطّريق واللّص والكلاب نموذج البطل الذي يتيه وسط مدينةٍ متحوّلة، يبحث عن الأب، عن الحقيقة، عن اليقين، لكنّه يصطدم بفراغٍ يلتهم المعنى. وفي أعمال الطاهر بن جلّون، يظهر الاغتراب بوصفه مواجهةً بين الموروث والحداثة، بين تربيةٍ قمعية وحلمٍ بالحرية، فتتحوّل الغربة إلى حقلٍ من الأسئلة الأخلاقية والإنسانية لا تنتهي.
إنّ تجربة الاغتراب في الأدب العربي تُعدّ مرآةً للوعي العربي في مواجه انهيار المعنى في زمنٍ متسارع. فحين يتراجع الأفق الرّوحي، ينهض الأدب ليصوغ لغةً جديدة تُعيد تعريف الفقد، وتمنح الألم وظيفة الكشف والتّجاوز. يكتب الشّاعر والرّائي والروائي بلغاتٍ مختلفة، لكنّهم جميعًا يسيرون في الاتّجاه ذاته: نحو الذّات الإنسانية حين تكتشف هشاشتها وسط عالمٍ متغيّر. الغربة في جوهرها ليست عزلة، بل هي بحثٌ مضنٍ عن الجوهر الإنساني في فضاءٍ فقد انسجامه. إنّها يقظة الوعي تؤسّس إلى أنّنا لسنا مجرّد أرقام في الحشود، وأنّنا نستحقّ أن نستعيد أصواتنا الجميلة وسط صخب العالم.
