طفلٌ يكتب رواية بأصابع آلة.. وعالمٌ يقف مصفقا____

بقلم أ. كمال لعرابي_______________

في صميم المشهد الثقافي الراهن، تتجلى مفارقة صارخة تبعث على الأسى؛ فذاك الطفل الذي لم يكد يبلغ، والذي ما زال يتلمس طريقه لترويض تناقضاته الداخلية الهشة كي لا تكسره، بات اليوم “روائيا”.
غير أنه لا يكتب بالمعنى الوجودي العميق للكتابة؛ حيث الألم الهادئ يقطر في جملة، والتجربة الإنسانية تتشظى على جدران الوعي لتولد من رحمها اللغة. بدلا من ذلك، بات يلقي بأوامره إلى آلة ذكية، لتقذف له بنص أنيق الهيكل، خاو من الروح. نصّ يحمل بين طياته مسارا فكريا لم يعتنقه الطفل عن وعي وإدراك، بل تشرّبه خلسةً من عتمة الخوارزميات. وفي خضم ذلك، يقف المجتمع مصفقا، وينتشي الآباء فخرا، وتتسابق دور النشر للطباعة، بينما تتجذر الأزمة وتتعمق في صمت مطبق.
دعونا نتأمل، بادئ ذي بدء، طبيعة المسار السردي الذي تتمخض عنه هذه “الكتابة الآلية” حين تُسلّم لمقود وعيٍ غض لم يكتمل بعد؛ فإدراك البنية هو حجر الزاوية لأي نقد رصين. إن القراءة المتأنية لهذه النصوص لا تفضح مجرد ركاكة في الأسلوب، أو هشاشة في الحبكة، أو فقر في الوصف، بل تكشف عن مسارٍ ذي اتجاه واحد مرسوم بعناية مريبة: يبدأ النص بانطلاقة من اليقين المطلق، متكئا على المنظومة القيمية التي ورثها الطفل من بيئته وثقافته، وما تلبث أحداث الرواية أن تشرع في تفكيك هذا اليقين تدريجيا. هكذا، يجد القارئ نفسه فجأة أمام تمجيدٍ صارخ لما يمكن تسميته بـ “نقطة الصفر الوجودية”؛ تلك اللحظة الموحشة التي يقف فيها الإنسان وجها لوجه أمام العدم، فيقرر اعتناقه بدلا من تجاوزه. وينتهي النص إلى عدمية محضة، مُغلّفة بلغة شعرية خادعة، تُسوّق إنكار الذات والوجود على أنه قمة النضج، وتُصوّر الانسلاخ من كل منظومة أخلاقية على أنه ذروة الأصالة.
هذه البنية الثلاثية الماكرة ليست بريئة البتة؛ فهي لا تطرح العدمية كإشكالية فلسفية خاضعة للتمحيص والمقارعة بالحجة، كما فعل نيتشه حين أعلن موت الإله وأفنى عمره باحثا عن “الإنسان الأعلى” ليسد مسد الفراغ، أو كما قاوم كامو عبثية الوجود رافضا الاستسلام لها. بل إن هذه النصوص تُقدم العدمية لوعيٍ غضّ على أنها المحطة النهائية، وأن من بلغها قد أدرك الحقيقة المطلقة.
وما يزيد الطين بلة، والأمر خطورة، هو انزلاق هذه النصوص نحو ما يمكن وصفه بـ “الأدب الإجرامي المُقنّع”. إنه ذلك النمط من الكتابة الذي يُحيل العقل إلى دفترٍ أسود، يُصبح فيه محو الآخر ضرورةً وجودية بمجرد تدوين اسمه. إنها كتابة تُطبّع مع العنف، بشقيه الرمزي والفعلي، متدثرةً بلغة أدبية تضفي على هذا العنف هالةً من الجمالية والحتمية. ولهذا النمط جذور مقلقة في أدبيات علم النفس الجنائي؛ حيث تؤكد الدراسات أن التعرض المستمر لخطاب العنف في قوالب سردية يُعيد تشكيل بوصلة الأخلاق لدى المتلقي. ويعد الأطفال دون السادسة عشرة الفريسة الأسهل لهذا التشويه، نظرا لعدم اكتمال نمو الفص الجبهي في أدمغتهم، وهو المركز المعني بإصدار الأحكام الأخلاقية وإدراك العواقب. لذا، فحين يخطّ طفلٌ في الرابعة عشرة نصا يُمجّد إقصاء الآخر وإلغاءه، ثم يقرأ ما “كتبه”، فهو لا يمارس فعل القصّ فحسب، بل يعيد هندسة وعيه الداخلي وتأثيثه بصور وبنىً لم تخضع لأي مصفاة أخلاقية أو نضج إنساني حقيقي.
إزاء هذا الواقع المفزع، تنتصب مسؤولية الآباء كجبلٍ شاهق يثقل الكواهل. إن الأب الذي يرى ابنه يطبع روايةً فيطير بها فرحا دون أن يكلف نفسه عناء قراءتها، أشبه بمن يمنح طفله مفاتيح سيارة ليجلس في مقعد القيادة، غافلا عن أن المحرك يدور، وأن الطريق أمامه محفوفٌ بمنعطفات مجهولة. إن هذه النشوة المفرطة ليست احتفاء بالإبداع، بل هي تنصلٌ صريح من المسؤولية، يختبئ خلف قناع “الوالد العصري” المنفتح على التكنولوجيا.
ولنكن هنا أكثر دقة من الناحية الفلسفية: إن المسؤولية التربوية لا تعني فرض رقابة شمولية أو وصاية مطلقة، بل تتجسد فيما أسماه جون ستيوارت ميل بضرورة التمييز بين “الحرية المُنتجة” و”الحرية المُدمّرة”. وهو تمييزٌ يعجز الطفل عن إدراكه بمفرده، إذ هو في أمسّ الحاجة لمن يأخذ بيده لفهم الأدوات قبل أن يُترك فريسةً لها. لقد رسخت الفلسفة التربوية منذ عهد أرسطو مبدأ أن الطفل كائنٌ يفتقر إلى التوجيه قبل افتقاره إلى التحرر؛ فالحرية المفتقرة لأدوات الإدراك ليست سوى سقوط حر ومنظم. وعندما يترك الولي لآلةٍ صماء مهمة صياغة الوعي السردي لابنه، فهو لا يمنحه بذلك أجنحةً لحرية التعبير، وانما يسلّمه طواعية لأيديولوجيا مُبرمجة، يجهل منبعها، ولا يدرك غايتها، ولا يعرف من يقف في العتمة مهندسا لمعمارها الفكري.
ولا يُعفي هذا السياق الآباءَ والأمهات؛ فبعضهم يقرأ ما يخطّه أبناؤه، لكنه يقف أعزلَ من أدوات النقد والفحص. فالأب الذي تبهره رواية ابنه، فيكتفي بوصفها “رشيقة الأسلوب” أو “صادقة العاطفة”، غافلا عن تفكيك بنيتها الفكرية، هو في الحقيقة ضحية لأزمة أعمق؛ أزمة مجتمع لم يُعلِّم أجياله كيف تقرأ بعين فاحصة، بل كيف تبتلع الكلمات بلا تمحيص. فالقراءة النقدية مهارة دقيقة لا تُورَّث ولا تُكتسب خبط عشواء، وغيابها داخل الأسرة يُشرّع الأبواب واسعةً أمام كل خطاب معسول اللغة، مسمومِ الجوهر.
أما دور النشر، فتقع على عاتقها مسؤولية أشد مضاضة، مؤسسيا وأخلاقيا على حد سواء. فصناعة النشر، في أزهى عصورها، لم تكن يوما مجرد تجارة عابرة، بل كانت فعلَ تنوير وانتقاء؛ تُعلي من شأن ما يرتقي بالوعي الإنساني، وتتصدى لما يفسده. وحسبنا أن نستلهم من التاريخ القريب كيف أُوصدت أبواب النشر في وجه نصوص تُمجّد العنف أو تبث الكراهية، لا خشيةً من سيف القانون فحسب، بل استجابةً لنداء الضمير الأخلاقي. لذا، فحين تتبنى دار نشر نصا يُجمّل العدمية، ويُسوّغ الانسلاخ من الذات، ويُغلّف الانتحار الوجودي بلغة أدبية فاتنة، فهي تتخلى عن حيادها المزعوم لتصبح شريكا متواطئا في صياغة هذا الوعي المشوه وإضفاء الشرعية عليه.
أما التذرع بحجة “متطلبات السوق” وقاعدة “العرض والطلب”، فهي ذريعة متهافتة فلسفيا؛ إذ تُعلي من شأن الدرهم على حساب القيم، وتُحيل الناشر من مثقف طليعي إلى مجرد تاجر، وتهبط بالكتاب من كونه رسالة حضارية إلى مجرد سلعة تُستهلك بمنطق الأسواق التجارية. وفضلا عن ذلك، فإن استسهال نشر أعمال اليافعين دون سن الثامنة عشرة، بمعزل عن لجان تدقيق متخصصة، يُشكّل منزلقا قانونيا وأخلاقيا إضافيا، إذ يُحمّل الطفل وزرَ إنتاج ثقافي لم يكتمل نضجه الفكري بعد لاستيعاب مآلاته.
وفي خضم هذا التشريح، لا بد من وقفة متأنية أمام الذكاء الاصطناعي ذاته. صحيح أن الآلة تُعفى من المساءلة الأخلاقية لافتقارها إلى الوعي والقصد، إلا أنها تعمل وفق خوارزميات ونماذج تشرّبت عصارة الإنتاج البشري بغثّه وسمينه. ومؤدى ذلك أنك حين تطلب من نموذج لغوي صياغة رواية لمراهق، فإنه سينسجها على منوال السائد في أدب الشباب العالمي؛ وهو أدبٌ مشبّعٌ، في كثير من جوانبه، بنزعات عدمية وما بعد حداثية، قد تتسق مع السياق الثقافي الغربي الذي أنتجها. لكن هذه النزعات حين تُستنبت في تربة ثقافية مغايرة، ذات مرجعيات قيمية ودينية راسخة، تتحول إلى جسم غريب يفتت الهوية بدلا من أن يبنيها. وهنا تتجلى كارثة أخرى تحدث في صمت: الاستلاب الثقافي؛ حيث تُشكَّل عقول أطفالنا وقناعاتهم عبر آلات تعكس بصمة حضارية لا تمت إليهم بصلة.
وإلى أين يقودنا هذا المسار؟ المصبُّ الحتمي هو جيل بأكمله من الأرواح التي تُروَّض لتكون مجرد “نقطة صفر”؛ جيل يُدفع دفعا ليقتلع جذوره ويبني نفسه من فراغ، وينظر إلى موروثه كقيدٍ يجب تحطيمه، لا ككنزٍ معرفي يُبنى عليه ويُتفاعل معه بروح نقدية مبدعة. ولن تتكشف فداحة هذا الضرر في يومنا هذا، بل ستبرز أنيابه في لحظات التأزم الوجودي؛ حين يلتفت الفرد فلا يجد أرضا صلبة يقف عليها، ولا مرجعية دافئة يركن إليها، بعد أن أفنى سنوات عمره ينهل من نصوص تهمس في أذنه بأن المرجعيات محض أوهام، وأن الحقيقة الوحيدة هي العدم.
ولأن الاكتفاء بتشخيص الداء لا يُبرئ المريض، ولأن النقد الذي لا يُثمر حلولا يظل نقدا مبتورا حتى في ميزان الفلسفة، فإن التعاطي مع هذه الأزمة يستوجب حراك عميقا ومتعدد الأبعاد. إننا أمام معضلة لا تُحل بشعارات رنانة ولا تُعالج بمراسيم فوقية، بل تتطلب إدراكا واعيا بأن الأزمة بنيوية متجذرة، وأن علاجها، بالضرورة، يجب أن يكون جذريا وشاملا.
على صعيد الأسرة، لابد للآباء والأمهات من إدراك حقيقة جوهرية: الانفتاح على التكنولوجيا لا يلغي الدور التربوي، انما يجعله ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى. فحين يكتب الطفل نصا بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، يجب أن يفتح ذلك بابا لحوار أسري دافئ، بعيدا عن أسلوب التفتيش والرقابة. حوار “سقراطي” هادئ يسأل فيه الأب أو الأم: “لماذا اخترت هذه النهاية؟”، “ماذا يعكس هذا النص من نظرتك للحياة؟”، و “ما الذي يلامسك أو يستفزك فيما كُتب؟”. هذا النقاش العفوي هو في جوهره تدريب عملي على ما يُعرف تربويا وفلسفيا بـ “ما وراء المعرفة”؛ أي أن يتعلم الطفل كيف يتأمل أفكاره ويحللها، بدلا من استهلاكها بسلبية. علاوة على ذلك، بات لزاما على الأولياء استعادة مهارة “القراءة النقدية”، ليس كنوع من الترف الفكري، بل كطوق نجاة في عالم تتناسل فيه السرديات بسرعة جنونية. عليهم أن يوقنوا أن الفخر الحقيقي يكمن في النضج لا في الكثرة؛ فالطفل الذي يحفظ أبياتا من الشعر ويتشرب معانيها، هو أعمق أثرا وأغنى حضارةً من طفل يحمل رواية مطبوعة باسمه دون أن يفقه شيئا من بنيتها الفكرية.
أما على مستوى دور النشر، فقد بات من الضروري تأسيس لجان تحكيم متخصصة في أدب اليافعين؛ لجان لا تكتفي بتقييم جماليات الأسلوب، بل تغوص في البنية الفكرية والرسائل القيمية المبطنة في النصوص. ينبغي أن تضم هذه اللجان خبراء في علم نفس الطفل، وفلاسفة تربية، ونقادا أدبيين. كما يجب تفعيل “سياسة الشفافية والإفصاح”، بحيث يُشار بوضوح على غلاف أي كتاب إلى حجم تدخل الذكاء الاصطناعي في كتابته، سواء كان تدخلا جزئيا أو كليا. هذا ليس وصماً للكاتب، بل هو حق أخلاقي أصيل للقارئ، لا يقل أهمية عن حقه في معرفة المكونات الغذائية لما يأكله. وفيما يخص الأعمال الموجهة لمن هم دون الثامنة عشرة، والتي تحمل طروحات عدمية أو تمجد العنف الوجودي، فيجب إخضاعها لتصنيف عمري للمحتوى، تماما كما هو متبع في صناعة السينما والألعاب الإلكترونية؛ فهذا الإجراء يندرج تحت مظلة الإعلام المسؤول، ولا يمت للرقابة بصلة.
وبالانتقال إلى المنظومة التعليمية، يجب إدماج “محو الأمية الرقمية والنقدية” في صلب المناهج الرسمية، وتدريسها كتطبيق عملي لا كمجرد تنظير. الهدف هو أن يتعلم الطالب كيف يتعاطى مع أدوات الذكاء الاصطناعي كمُستخدِم يقظ، يدرك تماما حدود هذه التقنيات، وانحيازاتها، والمصادر التي تغذت عليها، لا كمستهلك أعمى. المناهج بحاجة ماسة أيضاً إلى إعادة إحياء الفلسفة، ليس كمادة جافة تُحفظ تعريفاتها عن ظهر قلب، بل كمنهجية للتساؤل والتفكير المستقل. فالطالب الذي يتسلح بأدوات عقلية رصينة للتساؤل عن معنى الوجود، سيكون أصلب عودا وأقل عُرضة للانجراف خلف الأفكار العدمية السطحية التي قد تباغته في نص أدبي. ومن الأهمية بمكان إعادة الاعتبار للكتابة الإبداعية “اليدوية” داخل الفصول الدراسية؛ بوصفها تجربة إنسانية حميمة وليست مجرد إنتاج آلي بارد. فالطفل الذي يتدرب على صياغة مشاعره وتجاربه الشخصية في كلمات مكتوبة، يكتسب مهارة فريدة تعجز أعتى الآلات عن تلقينها إياه: مهارة اكتشاف الذات.
وعلى صعيد الجهات الحكومية والمؤسسات الثقافية، تبرز الحاجة الماسة لسن سياسات وطنية واضحة المعالم تُعنى بأدب الناشئة في عصر الذكاء الاصطناعي. سياسات قادرة على خلق توازن دقيق بين تشجيع الإبداع الرقمي من جهة، وتحصين الوعي الثقافي للأجيال الصاعدة من جهة أخرى. ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق حوار مجتمعي شامل وصادق، يجمع تحت مظلته الأدباء، والتربويين، وعلماء النفس، والآباء، والشباب أنفسهم، لمناقشة هذه التحولات. فهذه الأزمة العميقة لا يمكن تداركها بقرارات ومراسيم تُفرض من أعلى، بل تُعالج بوعي مجتمعي يتشكل من القاعدة إلى القمة، وينبثق من إدراك جماعي لحجم المخاطر المحدقة.
وفي النهاية، تظل الحقيقة التي لا مفر منها هي أن الأدب الأصيل -الذي استحق خلوده عبر التاريخ- هو ذلك الذي يضع الإنسان في مواجهة مع نفسه؛ ليس ليحطمه، بل ليعيده إلى ذاته أكثر وعيا، وأقل اغترابا، وأشد تجذرا في أرض وجوده. حين صاغ سوفوكليس مأساة “أوديب”، لم يقده إلى هاوية العدم، بل إلى الإدراك المؤلم الذي يمثل جوهر الكرامة الإنسانية. وحين كتب ألبير كامو “الغريب”، لم يتركنا نتخبط في فراغ بطله “ميرسو”، بل دعانا لمواجهة عبثية الحياة بوعي يقظ، لا باستسلام أعمى. إن الفارق الشاسع بين هذا الأدب الإنساني العظيم، وبين ما تلفظه الآلات حين تكتب لعقول غضة لم يكتمل نضجها، هو ذاته الفارق بين من يوقد شمعة ليبدد العتمة، ومن يطفئ النور ويدّعي أنه يصنع التنوير. إن لم نتدخل اليوم لتصحيح المسار، فإن المصب الذي ننجرف نحوه لن يكون نهراً جارياً، بل مستنقعاً راكداً؛ مستنقعاً لن تغرق فيه الروايات، بل ستغرق فيه الأرواح التي كان من المفترض أن تخط حكاياتها بنبضها ويدها.