رميسة .. دار نشر جديدة في الجزائر برؤية فلسفية___
بقلم مروة حرب _______________

في خطوة تحمل طابعا نقديا واضحا لواقع النشر في الجزائر، أعلنت دار رميسة للنشر والترجمة والتوزيع عن انطلاقها برؤية فلسفية تسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب الأكاديمي والفكري، في ظل ما يصفه مختصون بتراجع جودة المحتوى المنشور، وما يشاع بشأن عزوف الجمهور عن القراءة.
هذا الإعلان لا يأتي بمعزل عن واقع مأزوم؛ حيث تتزايد عناوين الكتب، مقابل تراجع ملحوظ في قيمتها المعرفية. وفي هذا السياق، يطرح مدير الدار الأستاذ كمال لعرابي، وهو كاتب وباحث أكاديمي متخصص في الفلسفة، مقاربة مغايرة للسؤال التقليدي حول عزوف القراءة، موضحا في تصريح لمجلة ومضات أمل الثقافية أن الإشكال لا يكمن في عزوف القارئ، بل في طبيعة ما يُعرض عليه: “الجمهور لا يقرأ لأن الكتب التي تصل إليه غالبا لا تستحق القراءة. فكثير من دور النشر تفتقد الرؤية المستقبلية والآليات العلمية لاختيار ما تنشر، لهذا تصبح الكتب مجرد منتجات تسويقية فارغة”. بهذا الطرح، تنتقل الإشكالية من “أزمة قارئ” إلى “أزمة إنتاج”؛ حيث يشير إلى أن جزءا معتبرا من سوق النشر الجزائرية بات محكوما بمنطق تجاري صرف، ما أفرز كتبا تُنتج بسرعة وتُسوَّق بكثافة، لكنها تفتقر إلى العمق، وتغيب عنها في كثير من الأحيان آليات التقييم العلمي ولجان القراءة المتخصصة. وحين يغيب المحتوى الذي يستحق القراءة، يصبح العزوف نتيجة طبيعية، لا ظاهرة مستقلة.
وفي مواجهة هذا الواقع، تراهن دار “رميسة” على إعادة الاعتبار للفلسفة، ليس فقط كتخصص أكاديمي، بل كمنهج في التفكير والكتابة. فالفلسفة، بحسب رؤية الدار، ليست مادة معرفية فحسب، بل المحرك الذي يُبقي السؤال حيا، ويعيد بناء العلاقة بين القارئ والنص على أساس التفكير لا الاستهلاك. ويقول الأستاذ لعرابي: ” نؤمن في دار رميسة بأهمية التخصص الذي يستدعي بالضرورة وعيا كافيا من صاحب دار النشر، ومعرفة وافية بالتخصص الذي يتبناه. هذا التوجه يتجسد عمليا في اختيار الدار التخصص في الكتاب الأكاديمي الفلسفي، وكذا في تقاطعاته مع الأدب والعلوم الإنسانية، وهو مجال لا يزال محدود الحضور في سوق النشر الجزائرية، رغم الطلب المتزايد عليه من قبل الطلبة والباحثين. وكخطوة أولى لترجمة هذا التوجه، أشار الأستاذ لعرابي إلى أن الدار أعلنت بمناسبة تأسيسها عن مسابقتين للنشر مفتوحتين أمام الكتاب والباحثين من كل أنحاء الوطن العربي، وباللغات العربية والفرنسية والانجليزية، والتي ستستقبل في إطارهما الأعمال الأكاديمية الفلسفية والأدبية الفلسفية خلال الفترة الممتدة من 20 أفريل إلى 20 ماي 2026، على أن تخضع لتقييم لجنة متخصصة، في محاولة لخلق فضاء انتقائي يراهن على الجودة بدل الكثافة.
وعن آفاق العمل المستقبلي يقول مدير الدار أن المشروع لا يقف عند حدود النشر الأكاديمي، بل يمتد إلى مجالات معرفية وأدبية أخرى، من بينها: أدب الطفل مثلا، والذي يعد واحدا من أكثر المجالات حساسية وأهمية؛ إذ ترى الدار أن هذا الأدب لا يمكن اختزاله في الترفيه أو التبسيط، بل يندرج أساسا ضمن مسار التنشئة الاجتماعية والفكرية، ويرتبط بما يُعرف بـ”فلسفة الطفل” أو “فلسفة التربية”، وهي مجالات حظيت باهتمام كبير لدى الفلاسفة في سياق بناء الإنسان منذ مراحله الأولى.
ورغم أن الدار لم تنطلق بعد في هذا المجال، إلا أنها تؤكد نيتها فتح أفق جديد في سوق يكاد يكون فارغا في الجزائر والعالم العربي؛ حيث يتركز الاهتمام غالبا على فلسفة الكبار دون الصغار. وتقوم هذه الرؤية على اعتبار أن الفلسفة لا تقتصر على النخب، بل هي أداة لإيقاظ العقل منذ الطفولة، ما يستدعي من كُتّاب أدب الطفل مراعاة هذا البعد، والانخراط فيما يمكن تسميته بـ”فلسفة الحياة” في الكتابة للناشئة. كما تسعى دار “رميسة” إلى الإسهام في بناء مصداقية أكاديمية في هذا المجال، من خلال الربط بين أدب الطفل والدراسات النفسية والتربوية؛ حيث لا يمكن، بحسب هذا التوجه، فصل علم النفس عن جذوره الفلسفية، خاصة فيما يتعلق بنظريات تنشئة الطفل وتشكّل وعيه الاجتماعي والفكري. فالبحث في الإنسان، في جوهره، يظل بحثا فلسفيا قبل أن يكون تقنيا أو إجرائيا.
ووعيا منه بالدور الذي يمكن أن تلعبه دور النشر في خدمة المعرفة، أكد الأستاذ لعرابي حرص دار رميسة على فتح آفاق جديدة للفكر، من خلال تبنيها لخدمات الترجمة، مشيرا إلى أن ترجمة النصوص الفلسفية تُعد من أصعب مجالات الترجمة، لكونها لا تقتصر على نقل المعنى، بل تتطلب تأويلا عميقا للنص. وأضاف أن هذا العمل يستدعي مترجمين يمتلكون رصيدا معرفيا وفلسفيا يسمح لهم بالتعامل مع هذه النصوص بدقة، وهو ما دفع الدار إلى الاعتماد على فريق متخصص لضمان جودة هذا النوع من الإنتاج.
وفي سياق تعزيز حضورها وتوسيع دائرة انتشارها، كشفت الدار عن إبرام اتفاقية توأمة وشراكة في النشر والتوزيع مع دار الأمير للنشر والتوزيع والترجمة الفرنسية، بما يتيح للكتب الصادرة عنها فرصة الوصول إلى جمهور أوسع، سواء في الجزائر أو في فرنسا، إلى جانب الانفتاح على التوزيع الرقمي عبر المنصات العالمية.
