ميدوسا- حين يُدان الجمال وتتحوّل الضحية إلى أسطورة من قهر________

بقلم د هند محسن حلمي ___________


“ليست الوحوش ما نخافه حقًا… بل اللحظة التي نصير فيها مثلهم دون أن نشعر.”
في العرض المسرحي الذي قدّمته كلية الآداب بعنوان «ميدوسا»، لم نكن بإزاء إعادة سردٍ تقليديٍّ لأسطورةٍ يونانيةٍ قديمة، بل أمام محاولة جادّة لإعادة قراءة هذا الرمز الميثولوجي بوصفه مرآةً لواقعٍ إنسانيٍّ معاصر، تُدان فيه الأنثى لا لذنبٍ اقترفته، بل لكونها أنثى في الأساس. لقد انطلق العرض من أسطورة “ميدوسا” — تلك الحسناء التي تحوّلت إلى كائنٍ مرعب بعقابٍ إلهيٍّ ظالم — ليعيد طرح سؤالٍ أكثر قسوة: هل تتحمّل الضحية وزر ما حدث لها؟ أم أن المجتمع هو من يصوغ ملامح الوحش ثم يخشاه؟
“إن المأساة لا تكمن في السقوط… بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريفنا بعده.”
اعتمد العرض في بنيته الدرامية على تفكيك مفهوم “الأنثى” داخل منظومةٍ اجتماعيةٍ قمعية، حيث تتحوّل البراءة تدريجيًا إلى إدانة، ويتحوّل الجسد إلى ساحة حكمٍ دائم. ولم يكن استدعاء شخصية “ميدوسا” هنا إلا استعارةً ذكية لحالةٍ نفسيةٍ متراكمة، تتشكّل عبر دوائر متداخلة من القهر، تبدأ من الفعل الفردي ولا تنتهي عند البنية المجتمعية. فالشخصية الرئيسية لم تُقدَّم كمسخٍ مفاجئ، بل كنتاجٍ حتميٍّ لمسارٍ طويل من الانتهاك والخذلان.
وقد نجح العرض في نقل الأسطورة من فضائها الغيبي إلى واقعٍ يوميٍّ مألوف، حيث الأب الغائب، والأم التي تتحوّل من ضحيةٍ إلى أداة ضغطٍ نفسي، في محاولةٍ يائسة للحماية، لكنها تنتهي بإعادة إنتاج العنف ذاته. وهنا يقدّم العرض واحدةً من أهم رؤاه: أن القهر لا يُورَّث كألمٍ فقط، بل كآليةٍ أيضًا، وكأن الضحية تُجبَر على أن تؤدّي دور الجلّاد داخل فضائها الضيّق.
“حين يُمنع الصوت من الكلام… يتعلّم الجسد أن يصرخ بطريقته.”
تميّز البناء الدرامي بتصاعدٍ نفسيٍّ مدروس، حيث جاء تحوّل البطلة إلى “ميدوسا” بوصفه حالةً داخليةً مكتملة، لا مجرّد رمزٍ خارجي. لقد أصبحت “النظرة التي تُحجِّر” تعبيرًا عن تراكم الغضب والخذلان، وعن الرغبة العميقة في استعادة السيطرة، ولو عبر العنف. وهنا يتجلّى الطرح الفلسفي للعرض: أن العنف ليس دائمًا خيارًا، بل قد يكون في كثيرٍ من الأحيان نتيجةً حتمية لمسارٍ طويل من الانكسار.
أما على مستوى التشكيل البصري، فقد قدّم العرض رؤيةً متماسكة، حيث عمل الفضاء المسرحي كامتدادٍ عضوي للحالة النفسية. جاءت الإضاءة لتؤكد التحوّل من النور إلى العتمة، ومن البراءة إلى القسوة، بينما انسجمت الأزياء والديكور مع هذا التحوّل، فخلقت حالةً من الاختناق البصري المقصود، تُحاكي التشظّي الداخلي للشخصيات. غير أن الموسيقى، رغم حضورها، لم تبلغ في بعض اللحظات عمق التكوين الدرامي ذاته، إذ بدت أحيانًا منفصلة عن التصاعد الشعوري، وكان من الممكن أن تكون أكثر اندماجًا وتأثيرًا.
“ليس القتل نهاية الحكاية… بل ذروتها المأساوية.”
بلغ العرض ذروته في نهايةٍ مركّبة، حيث جاء قتل الأب للابنة لا بوصفه حلًّا، بل كامتدادٍ مأساويٍّ لمنظومةٍ فشلت في الفهم والاحتواء. لقد تحوّل “التطهير” هنا إلى فكرةٍ إشكالية، إذ لم يكن خلاصًا بقدر ما كان إعلانًا عن عجزٍ كامل، وكأن الدائرة أُغلقت بالعنف الذي بدأت به. إنها نهايةٌ لا تقدّم إجابة، بل تفتح جرحًا جديدًا في وعي المتلقي.
وقد تجلّت الشخصيات على الخشبة بأداءاتٍ متنوّعة، أسهمت في بناء هذا العالم القلِق، حيث جاءت البطلة — في تجسيدها لميدوسا — محمّلةً بثقل التحوّل النفسي، بينما مثّلت الشخصيات المحيطة بها امتداداتٍ رمزيةً لبُنى السلطة والقهر، من الإلهي إلى الأسري، ومن الخارجي إلى الداخلي.
“ميدوسا لم تكن وحشًا… بل حكاية إنسانٍ لم يُنصَف.”
في مجمل القول، استطاع العرض أن يقدّم معالجةً دراميةً عميقة، تتجاوز حدود الأسطورة إلى مساءلة الواقع، وتعيد طرح أسئلةٍ مؤرقة حول العدالة، والهوية، والجسد، والسلطة. لم يكن هدفه تقديم إجاباتٍ جاهزة، بل دفع المتلقي إلى الاشتباك مع ذاته، ومع تصوّراته المسبقة، وهو ما يُعدّ أحد أهم إنجازاته الفنية.
إن «ميدوسا» في هذا العرض لم تعد تلك الكائن الأسطوري الذي يُحجِّر الآخرين، بل أصبحت رمزًا لكل روحٍ حُوصرت حتى تحجّرت من الداخل… ولكل نظرةٍ قاسيةٍ صاغها المجتمع، ثم خاف منها بعد ذلك.
وفي ختام هذه التجربة المسرحية اللافتة، لا يمكن إغفال الجهد الكبير الذي بذله فريق العمل على مستوى الأداء، حيث تجسّدت الرؤية الدرامية عبر طاقات شبابية استطاعت أن تحمل ثقل الفكرة وتُترجمها على الخشبة بصدقٍ وإحساس.
فقدّمت راشيل باسم عبده دور الفتاة بحسٍّ إنسانيٍّ صادق، بينما جسّد عيسى أحمد عيسى شخصية بوسايدن بحضورٍ طاغٍ يعكس سطوة الرمز الأسطوري. وأبدعت ميرولا سامح فكيه في دور أثينا، مقدّمةً نموذجًا مركّبًا بين السلطة والغموض، في حين نقلت رنا وائل أحمد دور الأم بعمقٍ نفسيٍّ واضح، عكست من خلاله صراع الحماية والقهر.
كما جاء أداء عمر سيد محمود في دور الشاب معبّرًا عن حالة التشتت والبحث، بينما حملت جوليا ثروت روفائيل عبء الشخصية المحورية “ميدوسا” بتمكّنٍ ملحوظ، مقدّمةً تحوّلًا دراميًا ثريًا ومؤثرًا. وشارك مصطفى أيمن مصطفى في دور الرجل بأداءٍ متماسك، فيما أضفت كلٌّ من وردة دياب عبده ومريم عاطف زكريا في دوري فتاة (1) وفتاة (2) لمساتٍ داعمة أسهمت في إثراء المشهد.
ولم يقل حضور محسن سامح فتحي في دور سلطان أهمية، حيث أضاف بعدًا رمزيًا للشخصية، بينما قدّم جورج هاني وليم دور الغامض بإحساسٍ مميز يعزّز مناخ الالتباس الدرامي، واختتم إبراهيم عبدالجليل عبدالجيد بدور فارس، مضيفًا بُعدًا آخر إلى نسيج العرض.
كلّ الشكر والتقدير لهذا الفريق المتكامل، الذي لم يقدّم عرضًا مسرحيًا فحسب، بل تجربة إنسانية ثرية، أثبتت أن المسرح ما زال قادرًا على أن يكون مساحةً للبوح، ومرآةً صادقةً لأسئلة الإنسان العميقة.