نقش الحضور والغياب: في تيه الزمن الساكن______
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية ______________

الأيامُ لا تمضي، فالزمن ساكنٌ كمرآة أزلية. نحن من نعبُرها في ذهول آلي، مجرد كائنات تتحرك في مدارات العادة. نكرر الوجوه والخطوات والكلمات، ونحسب أننا نتقدم في “العمر”، بينما نحن لا نبرح أماكننا داخل زنزانة الروتين.
نمر بالينبوع سكارى بـ”وهم الظمأ”، يمنعنا كبرياء الزيف عن الانحناء لنشرب. نقف عطشى على ضفاف الوجود، وحين يجف المسير وتيبس الحناجر، نلوم الماء على الغياب، ونلعن الينبوع على صمته، تبريرًا لعجزنا عن “فعل الامتلاء”.
تجيء اللحظة عارية من كل قيد، طازجة كشهيق أول، فنلبسها أثقال “غد لا يأتي”، ونقايض “الآن” الدافئ بوعود لمستقبل مؤجل؛ كمن يبيع ضوء الشمس ليشتري وعدًا بمصباح. لقد أدمنّا انتظار “الآتي” حتى فقدنا القدرة على استنشاق “الموجود”.
حين يصبح العمر صدى في رواق مهجور، نولول أمام مرآة كسرناها بأيدينا حين ظننا أن الجمال يسكن “خارج” إطارها، وأن المعنى يسكن خلف الأفق. لم ندرك أن الأفق ليس إلا حدود بصرنا نحن.
اللحظات ليست ضائعة، بل هي شهود إثبات في محكمة غيابنا؛ زرعنا فيها “الرغبة” بيد ترتعد، فحصنا “الوحشة” بدل الحضور، وجعلنا من “الدهر” شماعة نعلق عليها خيباتنا.
لقد وئدنا الطفولة تحت ركام “الحذر المقدس”، وخنقنا “الدهشة” بخيوط الحسابات الباردة. الطفولة لم تكن مرحلة زمنية، بل “حالة دهشة” أمام معجزة الوجود. وباسم النضج المزعوم، قتلنا الطفل الذي كان يرى في الحجر عالمًا، وفي المطر لغة.
الحياة ليست كذبة غاوية، بل نحن من طلبنا منها “الأبد” لنهرب من ثقل اللحظة. أفرطنا في المقاييس حتى فقدنا “المباشرة”، نعد خطواتنا في الطريق بدل أن نستمتع بالرحلة، ونقيس عمق النهر بدل أن نغرق في عذوبته.
يا للحياة، أنتِ ليست بحرًا غادرًا، بل “صدى” لخلائنا الداخلي. تعيدين إلينا ما نلقيه في بئر وجودنا. إن ضحكنا بصدق من أعماقنا اتسعت آفاقك، وإن انكسرنا بذلة ابتلعنا صمتك الأسود. نحن من نصنع ضيق العالم أو اتساعه، ونحدد حجم المدى بمدى “اتساع رؤيتنا” وجرأة قلوبنا على الاقتحام.
أيتها اللحظات، لم تغادري المدار يومًا، نحن “المغيبون” عن مواعيدنا معك. كنا هناك مجرد “أجساد عابرة” تسكن أزمنة مستعارة، نقتات على الأيام كطفيليات تستهلك الأوكسجين دون أن نتنفس “المعنى”. ننتظر “الأمل” كما ينتظر الغريق يابسة، وهو يرفض السباحة، بينما الأمل هو الذي ينتظر انتباهنا ليحدث.
جمر الأيام لم يصر رمادًا بعد، إنه يكمن في “اللحظة الحاضرة”، في نقطة الانتباه الحارقة، لا في مآتم البكاء الباردة على ما فات. نحن نفضل النحيب، لأن “البكاء” يعفينا من “مسؤولية الوعي”، ويمنحنا عذرًا لنستمر في الغفلة آمنين.
في ختام هذا التيه، ندرك يقينًا أننا لم نفقد الأيام، بل فقدنا “أهلية الحضور”. لم تكن المشكلة في رحيل الزمن، بل في رحيلنا نحن عن أنفسنا بينما نعيش. ضاعت الحياة في الفجوة القاتلة بين “أن نكون” وبين “أن ندرك أننا نكون”.
أما آن لهذا النقش أن يُقرأ بقلب حاضر؟
