الرواية والتاريخ: حين يتحوّل الماضي إلى لغةٍ للتأويل__

بقلم د. محمد عبدالله الخولي___________

لا يمكن النظر إلى الرواية بوصفها مجرد جنسٍ أدبيٍّ يروي الحكايات، بل بوصفها أفقاً معرفياً تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع اللغة، ويتحوّل فيه العالم إلى نصٍّ قابل لإعادة الكتابة. فالرواية لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد تشكيله، ولا تستدعي التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً، بل بوصفه مادةً حيّةً قابلة للتأويل، ومن هنا تتأسس خصوصيتها بوصفها فناً يشتغل على الحدود الفاصلة بين الحقيقة والتخييل. لقد تنبّه ميخائيل باختين إلى أن الرواية جنس مفتوح، تتجاور داخله أصوات متعددة، وتتقاطع فيه خطابات متباينة، وهو ما يجعلها قادرة على احتواء التاريخ لا باعتباره سرداً منغلقاً، بل بوصفه خطاباً قابلاً للمساءلة وإعادة الصياغة. وفي هذا السياق، يصبح التاريخ داخل الرواية ليس مرجعاً ثابتاً، بل نصاً موازياً يخضع لسلطة السرد، حيث تُعاد كتابة الوقائع في ضوء رؤية جمالية وفكرية تتجاوز مجرد التوثيق.
وحين تتجه الرواية إلى التاريخ، فإنها لا تفعل ذلك بدافع الحنين أو الاستعادة البريئة، بل بدافع معرفي وجمالي في آن، إذ تبحث في الماضي عمّا يفسّر الحاضر، وتفتّش في الوقائع عمّا يكشف البُنى العميقة للتجربة الإنسانية. إن التاريخ هنا يتحوّل إلى وسيط تأويلي، لا إلى مادة خام، ويغدو الحدث التاريخي علامةً مفتوحة على احتمالات متعددة من المعنى، وهو ما يلتقي مع تصور بول ريكور الذي يرى أن السرد لا يعكس الزمن بل يعيد إنتاجه، وأن ما نسمّيه “الماضي” لا يُدرك إلا من خلال بنيات الحكي التي تعيد ترتيبه وتمنحه دلالته. بذلك، لا تعود الرواية معنية بإثبات ما حدث، بل بكشف كيف يمكن أن يُفهم، أو كيف يمكن أن يُعاد تخيّله داخل أفق إنساني يتجاوز حدود الوقائع.
ومن هذا المنطلق، يتخذ التمثيل التاريخي في الرواية أشكالاً متعددة تتداخل فيما بينها دون أن تنفصل، إذ قد يظهر التاريخ بوصفه قناعاً إسقاطياً تُمرَّر من خلاله قضايا الحاضر، فيغدو الماضي مرآةً لأسئلة راهنة، وقد يتحوّل إلى بنية مجازية تتجاوز الحدث إلى رمزيته، بحيث يصبح التاريخ استعارةً كبرى للوجود الإنساني في صراعاته وتحولاته. وفي أحيان أخرى، يقترب السرد من التقريرية حين يلتزم بخطوط الحدث التاريخي، لكنه لا يلبث أن ينزاح نحو التخييلي، حيث تُملأ فجوات التاريخ بما لم يُقل، وتُستعاد الشخصيات بوصفها كائنات حية تتنفس داخل النص لا داخل الأرشيف. أما التمثيل المباشر فيحافظ على تسلسل الوقائع، لكنه يحمّلها برؤية ذاتية تجعل من الحدث تجربةً معيشة، في حين يسعى التمثيل التوثيقي إلى إيهام القارئ بالحقيقة عبر إدماج الوثيقة داخل النسيج السردي، دون أن يفقد النص طابعه التخييلي الذي يعيد ترتيب تلك الوثائق ضمن أفق دلالي جديد.
وما يجمع هذه الأنماط جميعاً أن الرواية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه حقيقة نهائية، بل بوصفه إمكانية مفتوحة للقراءة، فهي لا تنافس المؤرخ في دقته، بل تتجاوزه في قدرته على مساءلة المسكوت عنه، وعلى الكشف عن المناطق المعتمة التي لا تصل إليها الكتابة التاريخية التقليدية. وهكذا يتحول التاريخ في الرواية إلى مجال للصراع بين ما هو مُثبت وما هو مُتخيَّل، بين ما كُتب وما يمكن أن يُكتب، وهو صراع لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يظل مفتوحاً على احتمالات التأويل. إن الرواية، في هذا المعنى، لا تعيد إنتاج الماضي، بل تعيد خلقه، لا لتثبّت وقائعه، بل لتفكك دلالاته، ولتكشف أن الحقيقة ليست معطىً جاهزاً، بل بناءً سردياً يتشكل عبر اللغة.
بهذا المعنى، تغدو الرواية فعلاً تأويلياً بامتياز، حيث لا يكون التاريخ سوى ذريعة للكتابة، ولا تكون الكتابة سوى وسيلة لإعادة النظر في العالم. إنها لا تكتفي بأن تقول ما حدث، بل تسائل لماذا حدث وكيف يمكن أن يُفهم، وهي في ذلك تفتح أفقاً إنسانياً يتجاوز حدود الزمن، ليجعل من الماضي طاقةً حيةً تتجدد في كل قراءة، ومن السرد أداةً لإعادة اكتشاف الذات والعالم في آن واحد.