المسرح الجزائري- إصلاحات فوق الورق أم ثورة مؤجلة؟_____

بقلم بوبكر بلعيد __________________


مرة أخرى، يُطرح ملف المسرح الجزائري على طاولة الإصلاح. ومرة أخرى، تُرفع الشعارات الكبيرة: “إعادة الهيكلة”، “عقود النجاعة”، “دعم الإنتاج”، و”تحرير الفعل الثقافي”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة: هل نحن أمام إصلاح حقيقي… أم مجرد إعادة تدوير لأزمة قديمة بلغة جديدة؟

إن ما أعلنته وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة” من تغييرات في تسيير المسارح يبدو في ظاهره خطوة إيجابية طال انتظارها، غير أن الواقع يفرض قراءة أكثر جرأة، لأن أزمة المسرح في الجزائر ليست إدارية فقط، بل هي أزمة رؤية، وأزمة جرأة، وأحيانًا أزمة صدق.

المسرح الجزائري اليوم لا يعاني من نقص النصوص ولا من غياب المواهب، بل يعاني من “موت بطيء” داخل مؤسسات تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات مغلقة تُدار بعقلية وظيفية لا علاقة لها بالإبداع. فكيف يمكن الحديث عن “عقود نجاعة” في بيئة لا تُقاس فيها النجاعة إلا بعدد العروض الرسمية؟ وكيف نطالب الفنان بالإبداع، وهو محاصر بالبيروقراطية، والتهميش، وأحيانًا بالإقصاء غير المعلن؟

الأكثر خطورة، أن بعض المسارح أصبحت تنتج عروضًا بلا روح، موجهة فقط لملء البرامج السنوية، دون أي ارتباط حقيقي بالجمهور. جمهور غادر القاعة منذ سنوات، لأنه ببساطة لم يعد يرى نفسه فوق الخشبة. وهنا تكمن الكارثة: مسرح بلا جمهور… هو مجرد قاعة صامتة.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الميزانيات، بل من تحرير القرار الثقافي. من إنهاء منطق “تعيين نفس الأسماء”، وفتح المجال أمام جيل جديد من المسرحيين الذين يملكون الجرأة لطرح أسئلة المجتمع دون خوف. الإصلاح يعني أيضًا الاعتراف بأن هناك خللًا عميقًا في منظومة التكوين، وفي علاقة المسرح بالإعلام، وفي غياب سوق ثقافية حقيقية تُخرج العمل المسرحي من دائرة المناسبات إلى فضاء الاستمرارية.

ثم لنكن صريحين: هل يمكن أن نتحدث عن نهضة مسرحية، في ظل غياب استراتيجية واضحة لتسويق العروض؟ في ظل مسارح مغلقة أغلب أيام السنة؟ في ظل فنان يعيش على الهامش، بين شغف الخشبة وقسوة الواقع؟

إن ما يحتاجه المسرح الجزائري اليوم ليس “ترميمًا إداريًا”، بل صدمة حقيقية تعيد ترتيب الأولويات. صدمة تُعيد الاعتبار للفنان، لا كموظف، بل كصاحب رسالة. صدمة تُنهي زمن الرداءة المقننة، وتفتح الباب أمام التنافس الحقيقي، حيث لا مكان إلا لمن يستحق.

الإصلاح ليس قرارًا وزاريًا فقط، بل هو معركة وعي. معركة ضد الرداءة، ضد الصمت، ضد الخوف من التغيير. وإذا لم تتحول هذه الإصلاحات إلى أفعال ملموسة في الميدان، فإننا سنجد أنفسنا بعد سنوات نكتب نفس المقال… بنفس الألم.