حين تنكسر المرآة من الداخل: سيرة الأنا وهي تتعلّم أن ترى نفسها في الآخر_________

بقلم د- هند محسن حلمي _______________

ليست كل المرايا صادقة.. فبعضها لا يعكسنا كما نحن، بل كما نخشى أن نكون.. لذلك وفي لحظةٍ نادرة، حين يهدأ ضجيج العالم، ونبقى وحدنا أمام انعكاسٍ لا يمكن التفاوض معه، تنكشف الحقيقة الأكثر إرباكًا: أننا لسنا كيانًا واحدًا متماسكًا، بل طبقات من الأصوات، ودوائر من الأسئلة، وشظايا تتجاور دون أن تلتئم تمامًا. هناك، عند هذا الحدّ الفاصل بين ما نُخفيه وما نجرؤ على قوله، تبدأ الحكاية الحقيقية.. حكاية الأنا حين تفقد مركزها، وتضطر أن ترى نفسها في الآخر، لا بوصفه غريبًا، بل بوصفه جزءًا مؤجلًا منها.
«استفتِ قلبك.. علَّه أن يُفتيك»
بهذه العتبة، لا يفتتح ديوان حكايا الجسد نصّه فحسب، بل يفتتح مأزقًا وجوديًا كاملًا: من الذي يملك سلطة الحكم؟ أهو العقل بما يحمله من يقين صارم، أم القلب بما يفيض به من قلق وتجربة وانكسار؟ هنا، يتقاطع الصوت الشعري مع ما يطرحه بول ريكور في تصوّره عن «الهوية السردية»، حيث لا تكون الذات معطًى ثابتًا، بل بناءً يتشكّل عبر الزمن، عبر الحكاية، عبر ما نرويه عن أنفسنا وما نعجز عن روايته (ريكور، الذات عينها كآخر). وكأن الديوان منذ بدايته يعلن: لا حقيقة نهائية للذات، بل تأويل مستمر لها.
«أنا لستُ كما أبدو… أنا ما لم أستطع قوله بعد»
و بهذا المعنى، تتحول «الأنا» من مركز يقيني إلى سؤال مفتوح. لم تعد كيانًا مكتملًا، بل مشروعًا في طور التشكل، يتصدّع كلما حاول أن يتماسك. ويتجلّى هذا التصدّع بوضوح في قول الشاعر:
«أجالس نفسي
أفتح باب الحديث
يُغلقه الأنا»
إنه مشهد بالغ القسوة: الذات تحاول أن تُحاور نفسها، لكن الأنا – التي يُفترض أن تكون وسيط الفهم – تتحول إلى سلطة قمعية تغلق باب الاعتراف. وهنا يمكن استدعاء تصور جاك لاكان عن «وهم الأنا»، حيث تبدو الأنا متماسكة في الظاهر، لكنها في العمق بنية متخيّلة، تُخفي انقسامًا جذريًا داخل الذات (لاكان، الكتابات). الأنا لا تحمي الذات هنا، بل تمنعها من قول حقيقتها.
«كلما اقتربتُ مني… ابتعدتُ أكثر»
هذه المفارقة لا تعبّر فقط عن اغتراب نفسي، بل عن بنية وجودية مأزومة، حيث تصبح الذات غريبة عن نفسها. وهنا، لا يعود «الآخر» عنصرًا خارجيًا، بل ضرورة داخلية. وفقًا لـ إيمانويل ليفيناس، فإن الآخر ليس مجرد كيان نواجهه، بل هو الشرط الأخلاقي الذي يجعل وعينا بذواتنا ممكنًا (ليفيناس، الزمان والآخر). وهذا ما ينعكس شعريًا في الديوان، حيث يتحول الآخر إلى مرآة مشروخة، نرى فيها أنفسنا بصورة غير مكتملة.
«كيف ألقاك… وأنا لم ألتقِ بي بعد؟»
السؤال هنا لا يطلب إجابة، بل يكشف استحالة اللقاء ما دامت الذات منقسمة على نفسها. فالعلاقة بالآخر ليست إلا امتدادًا لعلاقة لم تُحسم بعد داخل الذات. الآخر ليس نقيض الأنا، بل صداها المختلف، ظلّها الذي لم تعترف به.
وفي هذا السياق، يحتل «الجسد» موقعًا مركزيًا لا بوصفه موضوعًا حسّيًا، بل باعتباره نصًا بديلًا، مساحة تُكتب عليها التجربة حين تعجز اللغة. الجسد في هذا الديوان ليس مجرد حضور، بل خطاب. إنه ما ينطق حين تصمت الكلمات، وما يبوح حين تفشل الأنا في الاعتراف.
«جسدي يقول ما أخفيه… ويخون صمتي كل مرة»
هنا، يمكن قراءة الجسد في ضوء تصور ميشيل فوكو الذي يرى فيه حقلًا تتقاطع فيه السلطة والمعرفة، حيث يُعاد تشكيله باستمرار وفق أنماط القمع والرغبة (فوكو، المراقبة والعقاب). الجسد في حكايا الجسد ليس ملكًا للذات، بل سجلًّا لذاكرتها، ومرآة لصراعاتها.
ولا يقف هذا التمزّق عند مستوى المعنى فقط، بل يمتد إلى البنية الأسلوبية ذاتها. فالتكثيف اللغوي ليس ترفًا بلاغيًا، بل انعكاس لضغط نفسي، والبياضات النصية ليست فراغًا، بل صمتًا مشحونًا بما لم يُقل، والأسئلة المفتوحة ليست بحثًا عن إجابة، بل اعترافًا بعدم القدرة على الوصول إليها. وهذا ما ينسجم مع ما يذهب إليه صلاح فضل من أن الشكل في الشعر الحديث لم يعد وعاءً للمعنى، بل شريكًا في إنتاجه (فضل، أساليب الشعرية المعاصرة).
«كل سؤال… هو جرحٌ يفكّر بصوتٍ عالٍ»
بهذا المعنى، يتحول النص إلى مساحة مقاومة ضد وهم الاكتمال، وإلى محاولة دائمة لإعادة تعريف الذات خارج القوالب الجاهزة. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في عناوين مثل:
«ومن ألف عام… أنا الآخر»
حيث تعترف الذات، أخيرًا، بأنها ليست واحدة، وأن هويتها لا تتحدد إلا عبر اختلافها. وهو ما يتقاطع مجددًا مع ريكور، الذي يرى أن فهم الذات لا يتحقق إلا عبر المرور بالآخر، وأن الهوية ليست تطابقًا، بل علاقة (ريكور، مرجع سابق).
«أنا لستُ واحدًا… أنا احتمالاتي كلها»
هذا الاعتراف لا يُنهي الصراع، بل يفتحه على أفق جديد: أفق القبول. قبول التمزّق لا بوصفه ضعفًا، بل بوصفه شرطًا للوعي. فالكائن الذي لا ينقسم، لا يسأل… والذي لا يسأل، لا يعرف.
وفي هذا كله، لا يقدّم حكايا الجسد إجابات جاهزة، بل يصرّ على إبقاء السؤال حيًا، نابضًا، مفتوحًا. إنه ديوان يُراهن على القلق، ويؤمن بأن الحقيقة ليست ما نصل إليه، بل ما نبحث عنه.
«ربما لم أُخلق لأفهم نفسي… بل لأبحث عنها»
خاتمة
في النهاية، لا يمكن قراءة حكايا الجسد بوصفه مجرد ديوان شعري، بل بوصفه تجربة وجودية كاملة، كتابة تنأى عن اليقين، وتؤسس لخطاب ذاتي قائم على التمزّق الخلّاق. هنا، الأنا ليست مركزًا، بل أزمة؛ والآخر ليس تهديدًا، بل ضرورة؛ والجسد ليس وعاءً، بل ذاكرة حيّة.
إنه نصّ يعلّمنا أن الانقسام ليس عيبًا في التكوين، بل طريقًا إلى الفهم، وأن أكثر الرحلات صدقًا… هي تلك التي لا تصل أبدًا.

المراجع________________

بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة عربية، المركز الثقافي العربي.

جاك لاكان، الكتابات، ترجمة عربية، دار توبقال.

إيمانويل ليفيناس، الزمان والآخر، ترجمة عربية، المنظمة العربية للترجمة.

ميشيل فوكو، المراقبة والعقاب، ترجمة عربية، دار المعرفة.

صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة، عالم المعرفة.