هل خذل النقدُ الشعر؟___

إشكالية السؤال وسياق الندوة_____________

بقلم أ د – لونيس بن علي________________

عندما طُلب مني المشاركة في ندوة “المنتدى العالمي للشعر”، لفت انتباهي العنوان الذي اختاره المنظمون: “هل خذل النقدُ الشعر؟”. أول ما خطر ببالي هو أن السؤال “ملغّم”؛ فهو يحمل حكماً مسبقاً يضع النقد في قفص الاتهام. وبما أن السؤال الجيد هو الذي يطيل حالة التساؤل، فقد وجدتُ نفسي أمام حزمة من الأسئلة المتناسلة، أبرزها: إذا كان النقد قد خذل الشعر فعلاً، فما هي مظاهر هذا الخذلان؟
الإجابة عن هذه التساؤلات حتّمت عليّ التعامل مع القضية بحذر شديد، ووعي يلتمس الفهم العميق لأبعاد الإشكالية. وبدايةً أقول — بعيداً عن المزاح — إن أول مظاهر الخذلان وأكثرها واقعية هو “الخذلان الشخصي”؛ حين يخذل ناقدٌ شاعراً لأنه لم يقتنِ ديوانه، أو لم يقرأ له، أو لم يغدق عليه بالمديح.
هذا النوع من الصراع متداول في الواقع وليس مستخلصاً من النظريات؛ فقد اختزلت هذه “الحساسية الجديدة” وظيفة الناقد في إبراز محاسن الشاعر، وكأنه يدير وكالة للإشهار المجاني، وهو ما يشوه جوهر العلاقة المعرفية بين الطرفين.
في هذا السياق، لا بد من إعادة تحديد وظيفة الناقد؛ فالناقد ليس منظراً للشعر بالضرورة، وليس البحث في “ماهية الشعر” هو اختصاصه الأول، بل إن وظيفته الأصح هي “قراءة النصوص الشعرية” ذاتها.
وعندما طرح “مارتن هايدغر” سؤاله الكبير حول الحاجة إلى الشعر في أزمنة الكارثة، كان منهجه في البحث عن ماهية الشعر يعتمد بالأساس على قراءة الأثر الشعري عند شاعر عظيم مثل “هولدرلين” (مع مراعاة أن هايدغر فيلسوف وليس ناقداً أدبياً بالمعنى الضيق).
لندفع بالنقاش إلى أبعد نقطة: سنفهم أن مهمة الناقد الأساسية ليست مجرد قراءة النص بأي منهج كان، بل هي “العثور” على ذلك النص الذي تتحقق فيه “الشعرية” الحقة. يذكرني هذا بما قاله الراحل “بختي بن عودة” عن “قلق العثور”، أي البحث المضني عن النصوص الجديرة بالقراءة.
ولو سألتكم مثلاً: “ما هي مواصفات النص الشعري العظيم؟” لوقعنا جميعاً في حيرة من أمرنا. لذا، يبدو أن الخذلان مسؤولية يتقاسمها النقاد والشعراء مناصفة؛ فكثيرون يكتبون القصائد، لكن القلة فقط هم من يكتبون “الشعر”.
يبقى الموضوع مفتوحاً على إشكاليات كبرى وتأويلات شتى، وهذا ما حاولتُ التنبيه إليه خلال مداخلتي في هذه الندوة، سعياً لفتح أفق جديد لفهم العلاقة بين النقد والشعرِ بعيدا عن الوعي البائس الذي يحتكم إلى العداوة التي لا تمت بصلة إلى روح الإبداعِ.