كتابٌ يُقرأ بك: حين يتحول القارئ إلى نصّ______
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية____________

لم تعد القراءة، في صورتها الشائعة، أكثر من عادةٍ بصرية: عينٌ تعبر السطور، وعقلٌ يلتقط المعاني ضمن قوالب جاهزة. غير أن هذا الفهم المألوف يخفي اختزالًا عميقًا؛ إذ يفصل بين النص كشيءٍ خارجي، والقارئ كذاتٍ مكتفية، بينما التجربة القرائية في جوهرها فعلُ تداخلٍ يبدّد هذا الفصل.
فالقراءة، في مستواها الأعمق، ليست امتلاكًا للنص، بل انكشافٌ به. لا يكون القارئ فيها حاملاً للمعنى، بل مجالًا يتشكّل فيه. عند هذه النقطة ينقلب الميزان: لا نعود نحن من يفسّر النص، بل يغدو النص أفقًا يعيد تأويلنا نحن. النصوص الكبرى لا تُقرأ بقدر ما تُعيد قراءة قارئها.
ضمن هذا التحول، يتجاوز الوحي كونه خطابًا ماضيًا أو نصًا مغلقًا، ليصير أثرًا حيًّا يتجدّد مع كل قراءة. ليس صوتًا يُسمع، بل حضورًا يُدرك؛ أثرًا يلامس الوعي من حيث لا يُختزل في عبارة. ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يظل: “ماذا يقول النص؟” بل: “ماذا يفعل بنا؟”
بهذا المعنى، لا يكون القرآن نصًا يُفسَّر بقدر ما يكون تجربةً تُعاش. كل آية لا تقدّم معنى جاهزًا، بل تفتح أفقًا يُربك اليقين ويدفع إلى إعادة النظر. ومع ذلك، فهذه التجربة ليست إسقاطًا حرًّا للذات على النص؛ بل علاقة شدٍّ متبادل: النص يضع حدوده، والقارئ يمدّه بالحياة.
المعرفة التي تنبثق من هذا النمط لا تبدأ بالسؤال بقدر ما تبدأ بالدهشة. فالسؤال غالبًا ما يتحرك داخل إطارٍ معلوم، أما الدهشة فتكسره. إنها لحظة يفقد فيها الإنسان يقينه المؤقت، ليواجه المعنى في عريه الأول. غير أن هذه الدهشة لا تُقصي العقل، بل تعيد توجيهه؛ من أداة يقين إلى أداة مساءلة.
لقد حاولت الفلسفة، عبر تاريخها، أن تحدّد العلاقة بين الظاهر والحقيقة، وبين الفهم وحدوده. غير أن هذه المحاولات، على عمقها، تظل محكومة بأدواتها. أما النص القرآني، فلا يقدّم نظرية في المعرفة بقدر ما يخلخل شروطها؛ لا يضيف معرفة، بل يعيد ترتيب إمكانها.
من هنا، لا يعود الحرف مجرد وحدة لغوية، بل يصير مجالًا مفتوحًا للدلالة، لا يستقر على معنى نهائي. القراءة هنا ليست بحثًا عن جواب، بل دخولٌ في حركة معنى لا تكتمل.
لهذا، فإن الانتقال من طلب “التفسير” إلى الاستعداد “للانكشاف” ليس تخليًا عن العقل، بل استخدامٌ له في حدوده القصوى. فالنص لا ينفتح لمن يقتحمه بأدوات جاهزة، بل لمن يقف أمامه في حالة توتر: رغبة في الفهم، ووعي باستحالة امتلاكه كاملًا.
عند هذه العتبة، يتغير موقع القارئ. لم يعد النص موضوعًا خارجيًا يُدرَس، بل مرآةً يُعاد فيها تشكيل الذات. وهنا يفقد السؤال التقليدي—“ما معنى النص؟”—مركزيته، ليظهر سؤال آخر أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث لنا حين نقرأ؟
لعل القراءة، في معناها الأعمق، لا تكشف النص بقدر ما تكشف القارئ.
ولعل أخطر ما يمكن أن يفعله نصٌّ عظيم…
أن يجعلك تكتشف أنك لم تكن تقرأه يومًا—
بل كنت تُقرأ به.
