الرواية بين التجهيل الممنهج وتسليع الغرائز… من يقود القطيع!!___________

بقلم خليفة عبد السلام ____________

لم يعد ما يُروج له في المشهد الثقافي مجرد اختلاف في وجهات النظر حول ماهية الرواية، بل تحوُل إلى عملية منظمة لإعادة تعريفها بما يخدم واقعا هشا يفتقر إلى العمق ويستبدل المعرفة بالإثارة، يُراد للمتلقي اليوم أن يقتنع بأن الرواية “فن حر”خارج كل تأصيل وأنها لا تخضع لأي سلطة معرفية أو نقدية وكأن التاريخ الأدبي الطويل لم يكن سوى عبء يجب التخلص منه( هناك فرق مابين الرواية فن! وبين أن الرواية جنس أدبي ابن اختصاص قائم على علم ونعالج بعض مشاهدها بأليات فنية )
هذا الطرح ليس بريئا أبدا، إنه يقوم على إيهام جماعي يُفرغ الرواية من كونها جنسا أدبيا له أدواته ومناهجه يقبع تحت وطأة اختصاص قائم على علم، ليُعاد تقديمها كمنتج استهلاكي مفتوح، يمكن لأي نص مهما كان سطحيًا أن ينتحل صفته.. وهنا تحديدا تبدأ عملية التجهيل: حين يُلغى التخصص، وتُهمش المعرفة، ويُرفع شعار “الحرية” لتبرير غياب المعايير
لكن الوجه الأكثر فجاجة لهذا التحول يظهر في ربط نجاح الرواية بقدرتها على الصدمة، لا على البناء الفني.. لقد أصبحت المشاهد الجنسية الفاضحة في كثير من الأعمال بديلا سهلا عن العمق السردي وأداة مباشرة لجذب الانتباه في سوق مكتظ، لم يعد السؤال: ماذا تقول الرواية؟ بل: إلى أي مدى تستطيع أن تستفز القارئ؟
الأمر لا يتوقف عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى ليات التتويج والاعتراف فبعض المسابقات الأدبية بدل أن تكون حارسا للمعايير، تبدو وكأنها تكرس هذا الانحدار عبر مكافأة نصوص تتماهى مع أيديولوجيات محددة، حيث تُقدم الجرأة السطحية كدليل على الحداثة وتُمنح الأفضلية لما يثير الجدل لا لما يضيف معرفة
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام مشهد ثقافي يُدار وفق معايير فنية أم أمام منظومة تعيد تشكيل الذائقة العامة بما يخدم منطق السوق والأدلجة؟ وهل القارئ شريك في هذا الانحدار أم ضحية لخطاب يُعيد تشكيل وعيه تدريجيًا؟
إن اختزال الرواية في الإثارة ليس تحررًا، بل سقوط وتحويلها إلى أداة لتمرير أيديولوجيات تحت غطاء المسابقات ليس دعما للإبداع( هذا الاخير الذي بات لزاما تعريفه لتفادي عدم اسقاطه في اللبس وتمييعه أو تبطينه)، بل توجيه له.. أما إقناع “القطيع” بأن هذا هو الأدب فليس سوى ذروة الأزمة حين يُستبدل النقد بالترويج والمعرفة بالضجيج
الرواية الحقيقية لا تحتاج إلى فضيحة لتعيش، ولا إلى صدمة لتُقنع.. إنها تقوم على بناء، على رؤية، على وعي. وكل ما عدا ذلك مهما بدا لامعا، ليس سوى ضوضاء عابرة في زمن يخلط بين القيمة والانتشار