لماذا نقرأ الروايات؟ ________

بقلم زكريا نمر ________________


سؤال لماذا نقرأ الروايات يبدو في ظاهره بسيطا ويمكن الاجابة عنه في جملة واحدة مثل المتعة او التعلم او توسيع الخيال. لكن هذا النوع من الاجابات هو في الحقيقة تهرب من جوهر السؤال، لان الرواية ليست مجرد منتج ثقافي محايد، بل هي ممارسة معرفية ونفسية معقدة تتداخل فيها اللغة بالوعي، والخيال بالسلطة، والتجربة الفردية بالبناء الاجتماعي.

القراءة الروائية ليست فعلا بريئا كما تقدم في الخطابات التعليمية او الاعلامية. انها شكل من اعادة تنظيم العالم داخل بنية لغوية شبه مغلقة، حيث يتحول الواقع الى مادة قابلة للصياغة، ويصبح الانسان نفسه كائنا يمكن اعادة انتاجه داخل النص.اذن السؤال الادق ليس لماذا نقرأ الروايات بل ماذا نفعل بانفسنا عندما نقرأها. الانسان لا يعيش الواقع بشكل مباشر كما يتخيل. ما نعيشه هو دائما واقع مفسر مسبقا عبر اللغة والذاكرة والانتماء الثقافي. الرواية تأتي لتضيف طبقة اخرى من التفسير لكنها تفعل ذلك بطريقة مختلفة، لا تقدم الواقع كحقائق بل كاحتمالات سردية.

لكن تظهر مفارقة اساسية، الرواية تنتج واقعا يبدو اكثر قابلية للفهم من الواقع نفسه رغم انه في الحقيقة اقل تعقيدا منه.في الحياة اليومية الاحداث متداخلة غير مكتملة بلا بداية او نهاية واضحة. اما في الرواية فكل شيء يخضع لبنية، بداية تصاعد ذروة ثم خاتمة. هذا الترتيب يمنح القارئ شعورا زائفا بان الحياة نفسها يمكن ان تفهم بهذه الطريقة الخطية. يحدث نوع من الخداع البنيوي، نحن لا نفهم الحياة من خلال الرواية بل نتعود على شكل مبسط منها.

الرواية لا تعتمد على الصدق بمعناه الواقعي بل على الاقناع الجمالي. اي انها لا تسأل هل هذا حدث فعلا بل هل يبدو هذا ممكنا داخل هذا العالم السردي.تكمن خطورة الادب وقوته في ان واحد. فالشخصية الروائية قد تكون اكثر اقناعا من الانسان الحقيقي ليس لانها اكثر صدقا بل لانها اكثر اكتمالا. الانسان الحقيقي متناقض متغير وغير قابل للاختزال، بينما الشخصية الروائية غالبا ما تصمم داخل منطق نفسي وسردي يمكن تتبعه. هذا يجعل القارئ يقع في وهم مزدوج، وهم ان الرواية تعكس الواقع ووهم ان الواقع يمكن فهمه مثل الرواية.

عندما يقرأ الانسان رواية فانه لا يقرأ عن الاخرين فقط بل يقرأ نفسه بشكل غير مباشر. يحدث نوع من الاسقاط النفسي حيث يبحث القارئ عن صدى لتجاربه الداخلية داخل النص.لكن هذا البحث ليس محايدا. القارئ لا يدخل الرواية فارغا بل يدخل محملا بمعتقداته ومخاوفه ورغباته. لذلك كثيرا ما لا نقرأ الرواية لاكتشاف المختلف بل لتأكيد ما نعرفه مسبقا.تتحول الرواية من مساحة تفكيك الى مساحة تطمين. بدل ان تزعزع يقيننا تصبح اداة لاعادة انتاجه. نختار النصوص التي تشبهنا ونبتعد عن النصوص التي تهدد هذا البناء الداخلي.

من منظور نقدي اعمق يمكن النظر الى الرواية كاداة لاعادة انتاج البنية الاجتماعية بشكل رمزي. فهي لا تعكس المجتمع فقط بل تعيد صياغته داخل لغة يمكن التحكم بها.الشخصيات تمثل طبقات اجتماعية والصراعات تعكس علاقات قوة والنهايات غالبا ما تقدم نوعا من التوازن الرمزي حتى لو كان هذا التوازن غير موجود في الواقع.بهذا المعنى الرواية ليست خارج المجتمع بل جزء من آلياته الرمزية. هي لا تغير الواقع مباشرة لكنها تساهم في تشكيل الطريقة التي نفكر بها في هذا الواقع.لكن يجب الحذر هنا، ليس كل سرد فعلا ايديولوجيا مباشرا لكن كل سرد يحمل اثرا ايديولوجيا حتى لو لم يكن مقصودا.

هناك خطاب ثقافي مبالغ فيه يرى ان الادب قادر على تغيير العالم. هذا الادعاء يحتاج الى تفكيك. الرواية لا تغير الواقع السياسي او الاجتماعي بشكل مباشر. لا تسقط انظمة ولا تعيد توزيع السلطة. تأثيرها ابطأ واكثر غموضا، انها تغير طريقة ادراك الافراد للعالم وهذا التغيير قد يكون محدودا او عميقا حسب السياق.لكن المشكلة ان هذا التأثير غير قابل للقياس لذلك يتم احيانا تضخيمه او تقديسه.الحقيقة الاكثر واقعية هي ان الرواية لا تحدث تغييرا مباشرا لكنها تساهم في اعادة تشكيل الحساسية الانسانية تجاه الواقع.لا يمكن تجاهل عنصر المتعة في القراءة لكنه ايضا ليس بريئا. المتعة ليست مجرد مكافأة بل آلية جذب تخفي وظيفة اعمق.

نحن نستمتع لاننا نشعر باننا نفهم او نقترب من الفهم او نعيش حياة بديلة دون مخاطرة. لكن هذه المتعة قد تتحول الى قناع معرفي يخفي غياب الفعل الحقيقي.القارئ قد يقرأ عشرات الروايات عن الفقر لكنه لا يغير شيئا في الواقع. هنا تصبح المتعة شكلا من الاستهلاك الرمزي للمعاناة.من اخطر وظائف الرواية انها قد تمنح القارئ شعورا زائفا بالعمق. اي ان مجرد القراءة يصبح دليلا على الوعي حتى لو لم يتحول هذا الوعي الى موقف او فهم نقدي حقيقي.القارئ قد يعتقد انه اكثر فهما للانسان لانه قرأ روايات كثيرة لكن هذا الفهم قد يكون سطحيا لانه مبني على نماذج سردية جاهزة لا على تجربة نقدية حقيقية للعالم.

في العمق النفسي الرواية هي محاولة للسيطرة على الفوضى الوجودية. العالم غير منظم وغير عادل وغير قابل للتفسير الكامل. لكن داخل الرواية يمكننا فرض نظام، لكل سبب نتيجة ولكل فعل اثر ولكل نهاية منطق.هذا يمنح القارئ شعورا مؤقتا بالاستقرار المعرفي لكنه استقرار هش لان الحياة خارج النص لا تلتزم بهذه القواعد.لذلك يمكن القول ان الرواية لا تشرح العالم بقدر ما تعيد ترتيبه بشكل يمكن تحمله نفسيا. لا يمكن انكار ان الرواية ليست رفاهية ثقافية لكنها ايضا ليست اداة معرفة صافية. انها مساحة وسط بين الحقيقة والوهم بين الفهم والتخييل بين الذات والعالم.

نقرأ الروايات لاننا نحتاج الى معنى لكن هذا المعنى ليس مضمونا. ونقرأها لاننا نريد فهم البشر لكننا غالبا نفهمهم عبر قوالب سردية جاهزة. ونقرأها لاننا نبحث عن انفسنا لكننا قد نضيع داخل صور متعددة لهذه الذات.ربما تكمن الحقيقة الاكثر صدقا في ان الرواية لا تعطينا العالم كما هو ولا كما ينبغي ان يكون بل كما يمكن ان يروى.وهذا وحده يكفي ليجعلها ضرورية وخادعة في الوقت نفسه.