حينما يختارُ المركزُ الأوّلُ صاحبَه__
“خالد عماد الدين.. حين ينتصر الصدق على الجائزة.. وتُصفّق الروح قبل الأيدي..“_____________
بقلم د-هند محسن حلمي___________________

في قلب التجربة المسرحية، حيث تتقاطع الفنون مع الأسئلة الوجودية الكبرى، لا يعود الحديث عن “المركز الأول” مجرد ترتيبٍ تنافسي، بل يصبح مدخلًا فلسفيًا لفهم العلاقة بين الفن والحقيقة. هل الفن غاية في ذاته؟ أم وسيلة للاعتراف؟ أم أنه—في لحظاته الأصدق—يتجاوز كل ذلك ليصبح فعلًا إنسانيًا خالصًا، لا ينتظر شاهدًا ولا جائزة؟
ففي تلك المساحة الرمادية التي تعقب انتهاء العرض، حيث لا يُسمع سوى صدى الخطوات الأخيرة على الخشبة، ويبدأ الضوء في الانطفاء ببطء كأنه يودّع الحكاية، هناك فقط يمكننا أن نرى المسرح على حقيقته. ليس كفعلٍ جمالي يُقدَّم، ولا كعرضٍ يُصفّق له، بل كحالة وجود كاملة.. يتقاطع فيها الإنسان مع نفسه، ويتعرّى فيها الصدق من كل أقنعته.
وهناك لحظة دقيقة جدًا، لا يلتقطها التصفيق، ولا تسجّلها الكاميرات.. لحظة يُطرح فيها السؤال الحقيقي بعيدًا عن ضجيج القاعة:
هل كان الهدف هو الجائزة؟ أم أن الجائزة جاءت كظلٍّ متأخر لحقيقةٍ أعمق؟
والإجابة، في جوهرها، لا تُقال بقدر ما تُكتشف.
ففي التجربة الصادقة، لا يدخل الممثل إلى الدور كمن “يؤديه”، بل كمن يختبره حتى النهاية. كأن الشخصية ليست نصًا محفوظًا، بل احتمال حياة آخر كان ينتظره منذ البداية.
هنا تحديدًا يتراجع مفهوم “الأداء” خطوة إلى الخلف، ويتقدم مفهوم “الوجود”.
حيثُ لا يعود الممثل واعيًا بأنه يُمثّل، بل يصبح في منطقة أكثر خطورة وصدقًا: منطقة التماهي. حيث تتداخل الحدود بين “هو” و”الشخصية”، حتى يكاد السؤال عن الهوية يصبح بلا معنى داخل لحظة الخشبة.
ولذلك يبدو السؤال—رغم بساطته—كاشفًا إلى حدٍ مُربك:
هل يُمكن أن يُبنى الفن على طموح الجائزة؟
في التجربة الحقيقية، يتضح أن الجائزة ليست دافعًا بقدر ما هي أثر جانبي.
كما أن المنطلق لا يكون خارج العمل، بل داخله: في صدق التجربة، في شغف الفهم، في ذلك الإصرار الغامض على أن تُصبح الشخصية “حقيقية” حتى لو لم يصفّق أحد.
وهنا نستدعي ما طرحه كونستانتين ستانسلافسكي حين قال:
“أحبّ الفن في نفسك، لا نفسك في الفن.”
ففي هذه العبارة تتكثّف فلسفة كاملة: أن الفن ليس منصة لإبراز الذات، بل مساحة لاختبارها، لتفكيكها، وربما لإعادة بنائها من جديد.
وحين نصل إلى هذه النقطة، نكون قد غادرنا مساحة “التمثيل” بمعناه التقليدي، ودخلنا إلى ما يشبه إعادة خلق الحياة نفسها على الخشبة.
فالممثل لا يعيد تقديم نص، بل يعيد اختبار إنسانيته من خلال نص.
وهنا تكتسب مقولات مدارس التمثيل معناها الكامل، خصوصًا حين يقول ستانسلافسكي:
“إن لم تعش الدور.. فلن يعيشه أحد معك.”
وكأن الخشبة، في هذا التصور، ليست مكانًا للأداء، بل مرآة للداخل.
وما الخارج إلا صدى لما يحدث في العمق.
كما يلتقي هذا الطرح مع رؤية بيتر بروك الذي قال:
“يمكنني أن آخذ أي مساحة فارغة وأسمّيها مسرحًا، بشرط أن يعبرها إنسان ويراه آخر.”
فالمسرح هنا لا يُختزل في ديكور أو تقنيات، بل في تلك اللحظة الإنسانية الصافية، التي تتشكّل بين من “يعيش” ومن “يشاهد”.
وفي هذا الإطار، تتحول الجائزة من مركز الفعل إلى هامشه.
من غايةٍ مُتصوَّرة إلى نتيجةٍ محتملة، لا تغيّر من جوهر التجربة شيئًا.
بل إن أنطونان أرتو يذهب أبعد من ذلك حين يرى أن:
“المسرح يجب أن يكون كالحياة… أو لا يكون.”
أي أن القيمة ليست في الشكل، بل في درجة اقتراب العمل من جوهر التجربة الإنسانية.
فالفن لا يُقاس بما يُعلّق على الصدور، بل بما يترسّب في الذاكرة الإنسانية بعد انتهاء العرض.
بما يبقى في المتلقي دون أن يعرف كيف وصل إليه.
بتلك الرجفة الخفيفة التي لا تجد لها تفسيرًا، لكنها تظل حاضرة.
ومن هنا يصبح المعنى أكثر عمقًا حين نقول:
“مباركٌ للمركز الأول حصوله عليك.. وليس العكس.”
لأن القيمة الحقيقية لا تُولد لحظة إعلان النتيجة، بل تُبنى في كل لحظة صمت، في كل إعادة، في كل محاولة لفهم الشخصية من الداخل لا من الخارج.
فالمركز الأول، في جوهره، ليس ترتيبًا.. بل اعتراف متأخر بما كان يحدث أصلًا على الخشبة دون ضجيج.
اعتراف بأن هناك شيئًا صادقًا مرّ من هنا… وترك أثره.
وهنا يمكن أن نستحضر رؤية جيرزي جروتوفسكي الذي قال:
“المسرح ليس مكانًا للعرض، بل مكان للاعتراف.”
وكأن الممثل، في لحظته الأصدق، لا يؤدي أمام الجمهور، بل يعترف أمامه… وربما أمام نفسه أولًا.
خاتمة
وفي النهاية، ما حدث لا يمكن اختزاله في فوز أو ترتيب.
بل هو انتصار لفكرة أعمق:
أن الصدق، رغم هشاشته، ما زال قادرًا على أن يصعد إلى الخشبة دون أن يتكئ على شيء..
وأن هناك من يقف تحت الضوء، لا ليُرى فقط، بل ليترك فينا أثرًا يشبه الحقيقة حين تمرّ سريعًا ثم تختفي… لكنها لا تُنسى.
فالمسرح الحقيقي لا يطلب أن يُصفّق له…
بل ينجح حين يجعلنا نصمت قليلًا بعد انتهائه… دون أن نعرف لماذا.
