سردية الناجي: أو كيف يمارس الفن التضليل الجمالي؟___

بقلم أ-د لونيس بن علي_______________

يستعيد رشيد، السارد في رواية “هذه ليست رصاصة” للروائي السعودي عبد الله ناصر (منشورات الكرمة)، حادثة وقعت في طفولته المبكرة؛ وهي أن والده فياض أطلق النار على رجل، وعلى إثر ذلك دخل السجن وقضى فيه سنوات من حياته.
“كان أبي قد أطلق في يوم بعيد خمس رصاصات على رجل ما” (ص24)
سيحاول رشيد السارد أن يستعيد ما الذي حدث في ذلك اليوم البعيد، وسيشكّل غياب الأب لغزاً للطفل الذي كانه رشيد؛ فقد تحوّل سجن الأب إلى إرث عائلي ثقيل يلفه الغموض وتحوم حوله الأسئلة. لهذا السبب، قرر التحري حول الحقيقة الغائبة من خلال إعادة بنائها (تقريباً)، مستعيناً بشهادات الذين كانوا شهوداً يومذاك.
الرواية العائلية وسردية السلاح:
في الصورة العامة، توحي رواية عبد الله ناصر بأنها تنتمي إلى الرواية العائلية التي مركزها سردية الطفل الباحث عن سر عائلي، وهذا صحيح أيضاً؛ لأن جانباً كبيراً من الرواية رصد النمط الاجتماعي لأسرة سعودية في بيئة تحتكم إلى قيم المروءة والشهامة وروح القبيلة والانتصار لها ضد أي معتدٍ.
لكن لو نختزل الرواية في هذا المضمون، فإننا سنظلمها ظلماً شديداً؛ فوراء هذا الموضوع الاجتماعي، خاضت الرواية في سردية جانبية متمثلة في سردية السلاح الناري، سواء أكان مسدساً أو بندقية. وحضور السلاح الناري في الرواية تجاوز الوظيفة المادية إلى التأمل والتفكير في رمزية البندقية أو الرصاصة، بل امتد الأمر إلى رحاب الفن التشكيلي عبر استدعاء لوحة “الناجي” للرسام البلجيكي رينيه ماغريت.
مفارقة النجاة والموت
توجد واقعة ترسخت في ذاكرة طفولة رشيد، وهي تلك الرصاصة التي انطلقت من مسدس والده بالخطأ لتستقر على جدار الغرفة، ظنّاً منه أنّ المسدس كان فارغاً.
“أيقتل المسدس حتى عندما يكون فارغا؟” (ص109)
بسبب تلك الطلقة، كان يمكن لمصير العائلة أن يتغير تماماً، لكن الأب نجا من موت محقق؛ إذ كان يمكن لتلك الرصاصة أن تستقر في صدره، أو تخترق رأس زوجته، أو تصيب أحد أبنائه.
أما صديق العائلة (سعود ناجي)، والذي كان يحترف الصيد في البراري، فلن ينجو من الموت بسبب رصاصة؛ ففي لحظة ما تحوّل من صياد إلى طريدة. عندئذ قرر الأب، على إثر هذه الحادثة الأليمة، إخفاء بندقيته عن الأنظار. لكن، هل كان يدري أن مصيره معلق بهذه البندقية؟ فبعد سنوات من حادثة موت صديقه، سيندفع بسبب الغضب والشعور بالتهديد لإخراج سلاحه من مخبئه، ليطلق النار على (أبي نعير) -والد الشاب الذي اعتدى على ابنه الصغير- فيصيبه بخمس رصاصات كادت تودي بحياته. غير أن الأقدار تبسمت له لأن الرجل لم يفارق الحياة، وإلا كان مصيره القصاص. لم يكن أبو نعير هو الناجي الوحيد، بل نجا فياض كذلك من الإعدام، ونجا أبناؤه من اليتم والضياع.
السرد بوصفه تأويلاً
أوجد عبد الله ناصر منطقة تماس بين السرد والرسم، بإدراج فصل بأكمله خصصه للحديث عن لوحة “الناجي” للرسام البلجيكي ماغريت، والتي رسمها في نفس العام (1950) الذي وُلد فيه فياض. لقد مزج الكاتب بين الخطاب السردي والتعليق النقدي والفني حول اللوحة، منبهاً إلى جملة من الأفكار حول أسلوب هذا الرسام، الذي كان يعمد إلى مخاتلة المتلقي من خلال خلخلة العلاقة بين الشيء واسمه. وفي تعليقه على اللوحة، وصف السارد هذه العلاقة بـ التضليل الذي هو منبع جمالية ماغريت.
تخفي لوحة “الناجي” معاني كثيرة، وهذه فلسفتها الجوهرية، لتحرّض على طرح أسئلة من قبيل: من هو الناجي؟ لمن ذلك الدم الذي تقف فوقه البندقية؟ ما الذي نراه حينما ننظر إلى اللوحة؟
“والعنوان بالطبع لا يقتصر على الناجي وحده، إذ وراء كل ناج جان بالضرورة. لقد أخفاه ماغريت خلف الناجي” (ص119)
أما التساؤل الذي نطرحه: هل كان رشيد يفسّر حادثة والده من خلال لوحة الناجي، أم كان يفسر اللوحة عبر هذه الحادثة؟ المؤكد أن ثمة حوارية جمالية بين السرد والرسم نجح الروائي في نسجها، مبرزاً إحدى وظائف السرد المغيبة، وهي وظيفة التأويل.
المسؤولية الروائية وترميم الذاكرة
عبر هذا التنويع الخطابي، جعل عبد الله ناصر الرواية فضاء للتداخل بين خطاب السرد وخطاب الرسم التشكيلي، ليبرز ثقافة سارده ومدى اطلاعه على تاريخ الفن الحديث وامتلاكه لأدوات التأويل، لاسيما وأنه كان يفكك رموز اللوحة ومجازاتها بحثاً عن معنى غير مرئي.
لقد حرص الروائي على تحويل السرد إلى خطاب معرفي، وهذا الحرص نابع مما سماه الناقد سعيد يقطين بـ المسؤولية الروائية؛ وهي ذلك الإحساس الذي يجعلنا نقرأ رواية راقية على مستوى أسلوبها ولغتها ومادتها المعرفية. وفي نهاية الرواية، نقف عند رغبة والدة رشيد في نسيان الحادثة لأنها تمثل جرحاً عائلياً.
“سألتها ذات يوم عن حادثة أبي. كان سكوتها أطول من كلامها. كلما سألتها سكتت وقالت: “لا أتذكر”” (ص140)
في هذه النقطة، ندرك أن الطريقة التي اهتدى إليها رشيد لمواجهة ذلك الماضي هي الكتابة عن الحادثة، لكن من دون صرامة المؤرخ؛ لأنه كان عليه أن يعيد بناء تلك الأحداث من خلال السرد الذي له القدرة على الربط بين ما وقع وبين ما يُفترض أنه وقع. ولا ندري على وجه التحديد ما هي تلك المناطق التي رممها السارد، وما الذي أضافه لملء ثغرات الذاكرة؟ لكن المؤكد هو الخلاصة التي انتهى إليها رشيد في نهاية الرواية:
“مرت حادثة أبي بحياتنا مرور رصاصة في الكتف” (ص156)
أي أن تلك الرصاصة لم يكن تأثيرها قاتلاً عليهم، لكنها تركت أثراً لا يُمحى مع مرور الزمن.