المثقف الذي يعرف كل شيء… إلا نفسه_______

بقلم زكريا نمر ________

ليست المشكلة في المثقف بوصفه حاملًا للمعرفة، بل في النسخة التي استقرت في المجال العام: مثقف يؤدي دور المعرفة دون أن يمارس شروطها. نحن لا نتحدث عن حالات معزولة، بل عن نمط متكرر يمكن رصده في المقالات، والحوارات، ومنصات التواصل، وحتى في بعض المؤسسات الأكاديمية. هذا النمط لا يكتفي بتشويه صورة المثقف، بل يربك وظيفة المعرفة نفسها: كيف تُنتج، وكيف تُنقل، وكيف تستخدم.يقال إن المثقف مرآة المجتمع. لكن المرآة حين تتشقق لا تعكس الحقيقة، بل تعيد تركيبها على نحو انتقائي. في حالتنا، كثير من المرايا تعكس ما يريد صاحبها أن يُرى، لا ما هو كائن. لذلك نسمع خطابًا عن الحرية من شخص يضيق بأي رأي مخالف، وتنظيرًا عن العدالة من شخص يبرر الظلم إن خدم موقعه، وكتابة عن الوعي من شخص يمارس نوعًا من السبات المعرفي المغلف بلغة رنانة. هذه ليست مفارقات طريفة، بل مؤشرات على خلل بنيوي في علاقة هذا المثقف بالمعرفة وبذاته.

المثقف في تعريفه الكلاسيكي ليس مجرد قارئ أو كاتب، بل وسيط بين المعرفة والواقع يترجم التعقيد إلى فهم، ويعيد صياغة الأفكار بحيث تصبح أدوات للفعل الاجتماعي. لكن ما نراه اليوم هو انتقال من الممارسة إلى الأداء: المثقف لم يعد يمارس التفكير بقدر ما يؤدي دور المفكر. تظهر هذه النزعة في ثلاثة أنماط واضحة. أولها البلاغة بدل التحليل، حيث نجد نصوصًا كثيفة لغويًا لكنها فقيرة منهجيا، جملًا طويلة واستعارات لامعة دون تفكيك حقيقي للمشكلة أو بناء حجة متماسكة. ثانيها الاقتباس بدل الفهم، إذ تُستدعى الأسماء والمفاهيم لإضفاء شرعية شكلية، لا لتطوير فكرة أو اختبارها. ثالثها اليقين بدل التساؤل، حيث تقدم إجابات نهائية في قضايا معقدة، وكأن الواقع يمكن اختزاله في شعار سريع. هذا التحول يجعل المعرفة سلعة رمزية تُستهلك، لا عملية تُنتج وتختبر. و يظهر ما يمكن تسميته بالكسل المعرفي المقنّع. ليس هو امتناعًا عن القراءة، بل امتناعًا عن العمل المعرفي الحقيقي: المقارنة، النقد، الاختبار، والربط بالسياق. يقرأ هذا المثقف كثيرًا، أو هكذا يبدو، لكن قراءته انتقائية، موجهة نحو ما يؤكد قناعاته المسبقة. هو لا يقرأ ليغيّر رأيه، بل ليُحصّن رأيه.ينتج عن ذلك تضخم في الثقة يقابله ضعف في الأساس، وانقطاع في الصلة بالواقع، وتكرار للأفكار دون إضافة حقيقية. الأخطر أن هذا الكسل يبدو نشاطًا، فيخدع المتلقي، ويشوّش على معيار التمييز بين الجاد والاستعراضي.

الاختبار الحقيقي لأي ممارسة فكرية هو قدرتها على نقد نفسها. هنا يتضح الخلل المركزي. هذا المثقف يشك في كل شيء إلا ذاته. الأفكار عنده تتحول إلى هويات، والنقاش يصبح دفاعا عن النفس لا بحثًا عن الحقيقة. المعايير الأخلاقية تتبدل حسب المصلحة، وما يدان عند الخصم يبرر عند الحليف. وبدون اعتراف بالخطأ، لا توجد عملية تصحيح، وبالتالي لا يوجد تطور.عند الانتقال إلى الحلول، تتكشف الأزمة بشكل أوضح. بدل تحليل الشروط الموضوعية، السياسية والاقتصادية والثقافية، تُطرح وصفات جاهزة، نماذج مستوردة، أو أفكار منزوعة من سياقها. المشكلة ليست في الاستفادة من تجارب الآخرين، بل في غياب التكييف. الأفكار لا تنقل كما هي، بل تعاد صياغتها وفق البيئة التي ستُطبق فيها. حين يحدث العكس، تتحول إلى شعارات تفشل في الواقع وتنتج إحباطًا عاما. لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن البيئة التي تكافئها. منصات التواصل خلقت اقتصادا جديدا، حيث تُقاس القيمة بحجم التفاعل لا بعمق الفكرة. ما يجذب الانتباه ينتشر، حتى لو كان سطحيا. البلاغة تتفوق على الدقة، واليقين السريع على التحليل المتوازن. يتحول المثقف إلى علامة شخصية تسوّق نفسها، ويُختزل النقاش في صورته لا في مضمونه.في غياب مؤسسات نقدية حقيقية، لا توجد آليات تضبط هذا المسار. لا معايير واضحة للجودة، ولا مراجعة منهجية، ولا محاسبة على الأخطاء المعرفية. في هذه البيئة، تتساوى الآراء السطحية مع الأفكار المحكمة، لأن كليهما يُقدَّم بالطريقة نفسها.

نتيجة ذلك ليست مجرد ضجيج، بل تشويش في الوعي العام، وإضعاف للثقة في المعرفة، وتعطيل للنقاش الجاد. حين يطغى الاستعراض، تقصى الأصوات الرصينة، ويصبح الصدق الفكري عبئًا لا ميزة. بهذا الشكل، لا تكون الظاهرة محايدة، بل تسهم بشكل غير مباشر في استمرار الفساد، لأنها تضعف أدوات نقده. استمرار هذا النمط ليس صدفة، بل نتيجة تداخل عوامل متعددة: تعليم يركز على الحفظ، ثقافة تميل إلى اليقين، إعلام يكافئ الإثارة، وبيئة سياسية تفضل الخطاب المريح. يضاف إلى ذلك ميل فردي نحو الاعتراف الاجتماعي، يتضخم في غياب معايير واضحة.

لكن النقد وحده لا يكفي. المطلوب استعادة وظيفة المثقف على أسس واضحة. أولها إعادة الاعتبار للمنهج، لأن الفكرة دون أدوات اختبار ليست سوى رأي. ثانيها ترسيخ النقد الذاتي، باعتباره شرطًا للصدق لا خيارًا. ثالثها فهم الواقع، والتعامل مع الأفكار بوصفها أدوات تحتاج إلى تكييف لا وصفات جاهزة. رابعها الشفافية المعرفية، أي التمييز بين ما نعرفه وما نظنه. خامسها بناء فضاءات للنقاش الرصين، حيث تُختبر الأفكار لا تُستعرض.المثقف ليس من يملك إجابات أكثر، بل من يطرح أسئلة أفضل، ويملك شجاعة مراجعتها. ليس من يملأ نصوصه بالأسماء، بل من يبني حجة قابلة للنقد. وليس من يسعى إلى الإعجاب، بل إلى الفهم.

المشكلة ليست في أن يحمل أحدهم مصباحا، بل في أن يدعي أنه مصدر الضوء. حين تتحول المعرفة إلى أداء، يضيع الطريق بين من يصفه ومن يسلكه. استعادة دور المثقف لا تبدأ بإسقاطه، بل بإعادة تعريفه أن يكون وسيطًا بين الواقع وتعقيده، لا بين صورته والجمهور.

#زكريا_نمر