هذيان اليقظة: في مديح الاغتراب الحضاري____

بقلم أ.عبد العالي لعجايلية __________


التاريخ ليس سردًا بريئًا للأحداث، بل طاحونة بطيئة تطحن الوقائع حتى تفقد ملامحها. ما نسمّيه “ذاكرة” ليس إلا غبارًا استقرّ فوق وجوهنا. نحن لا نعيد تمثيل الماضي، بل نرتجل حاضرًا لا نفهمه، ونمنحه أسماءً كبيرة: نظام، تقدّم، استقرار… بينما هو في جوهره خوفٌ مُنظَّم.

في مدينةٍ مضاءة أكثر مما ينبغي، جلستُ في مقهى زجاجي، أراقب الوجوه المنعكسة على الشاشات. لم يكن أحد ينظر إلى أحد. كلُّ واحدٍ كان مشغولًا بنسخةٍ منه، أكثر قبولًا، أقلّ صدقًا. هناك، فهمتُ أن الإنسان لم يعد يُقاس بما يفكّر، بل بما يُعرض.

الوعي ليس امتيازًا، بل اختلال. هو تلك اللحظة التي تدرك فيها أن ما حولك متماسكٌ ظاهريًا فقط، وأن الشقوق موجودة… لكنها مُتَّفق على تجاهلها. حينها، لا يعود النور خلاصًا، بل عبئًا؛ لأنك ترى ما لا يريد الآخرون رؤيته.

المشكلة لم تكن يومًا في الظلام، بل في الألفة معه. في ذلك الاعتياد الصامت الذي يحوّل القيد إلى شكلٍ من أشكال الراحة. هكذا تتحول القيم إلى شعارات، والعدالة إلى هندسةٍ لغوية، والإنسان إلى وظيفة.

كل سلطةٍ تتوقف عن الشك في نفسها، تبدأ في الانغلاق. لا لأنها قوية، بل لأنها تخشى الهشاشة التي تنكرها. والانهيار لا يأتي دائمًا من الخارج؛ بل من ذلك التآكل البطيء، حين يصبح السؤال خطرًا، ويُستبدل التفكير بالطاعة.

التمرد، في هذا السياق، ليس مواجهة صاخبة، بل انسحاب واعٍ من لعبةٍ مختلّة. هو أن ترفض أن تكون مجرد رقم، أو استجابة متوقعة داخل منظومة. أن تحتفظ، في صمتك، بشيءٍ لا يمكن تدجينه.

لكن لهذا الاختيار ثمنه.

أن تكون واعيًا، يعني أن تعيش مفصولًا جزئيًا عمّا يحيط بك. أن ترى ما لا يُرى، دون أن تملك دائمًا القدرة على تغييره. أن تتحرك داخل العالم، دون أن تنتمي إليه بالكامل.

وهنا تتجلى المفارقة:
الناس لا تُقاد بالقوة وحدها، بل بما يُقدَّم لها كبديلٍ مريح للحقيقة. ليس القيد دائمًا ظاهرًا؛ أحيانًا يأتي في هيئة متعة، أو أمان، أو انشغال دائم يمنعك من طرح السؤال.

هل نحن أمام انهيار؟
ربما.

لكن ما يسقط حقًا، ليس البُنى، بل الأوهام التي تحملها. كل حضارة تظن نفسها نهائية، تبدأ في فقدان قدرتها على رؤية نهايتها.

النجاة، إن وُجدت، لا تبدأ من الخارج.
تبدأ من تلك اللحظة الصغيرة، حين يختار الفرد أن لا يسلّم بكل شيء. أن يترك مسافة بينه وبين ما يُطلب منه أن يكونه.

أن يقول: لا…
لا بوصفها رفضًا فقط، بل بوصفها محاولة لإعادة تعريف ذاته.

وربما، في هذا العالم تحديدًا،
أن تبقى يقظًا… هو الشكل الوحيد المتاح للحرية،
حتى لو بدا للآخرين نوعًا من الهذيان.