بعلبك.. لوحة تاريخية بألوان الربيع_____
بقلم أترجة ريتاج دين_________


في لبنان، وتحديدًا عند السفوح الغربية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، تقع إحدى أجمل المدن: بعلبك، تلك النجمة الهاربة من السماء، والمدينة التي ارتوى ترابها بعرق حضارات تعاقبت عليها. يقرع بابها الربيع ليزيدها رونقًا، فتغفو بين زهور البابونج وشقائق النعمان التي تعطّر نسيمها بعبق زكيّ، فيما يمتدّ اخضرارها كبساطٍ حريريٍّ نابضٍ بالحياة، يحتضن الزائرين بحنانٍ خفيّ.
يُروى أن هذه المدينة ارتبطت باسم النبي إلياس عليه السلام، إذ ورد ذكرها في القرآن الكريم. أما اسمها “بعلبك”، فيحمل في طيّاته جذورًا ضاربةً في عمق التاريخ؛ فـ”بعل” إله الكنعانيين، و”بك” تعني المدينة. وقد عُرفت كذلك باسم “هليوبوليس”، أي “مدينة الشمس”، في دلالةٍ على مكانتها الدينية وارتباطها بطقوس العبادة. ويُقال إن يوليوس قيصر أطلق عليها اسم “هليوبوليس جوليا دومنا كولي” تكريمًا لابنته، فغدت آنذاك رمزًا للسلطة والقداسة، وسُكّت العملات باسمها لتخلّد حضورها.
وفي قلبها، شيّدت الإمبراطورية الرومانية صروحًا تكاد تنافس الخيال في عظمتها؛ معابد جوبيتر وباخوس وفينوس، حيث امتزجت الهندسة بالروحانية في مشهدٍ يختصر عبقرية الإنسان القديم. ولا تزال المدينة، إلى اليوم، مسرحًا للفن والحياة، إذ تستضيف مهرجان بعلبك الدولي، فتتحوّل أطلالها إلى منصّةٍ تعانق فيها الموسيقى صدى التاريخ، وترتسم في سمائها لوحاتٌ ثقافية تنبض بالإبداع.
وعلى امتداد العصور، تعاقبت على بعلبك حضاراتٌ شتّى، من اليونانية إلى الإسلامية، التي أدركت قيمتها الاستراتيجية فاتخذتها موطئًا للحضور والنفوذ. وقد حيّرت المدينة الباحثين بألغازها المعمارية، فكان “حجر الحبلى” شاهدًا صامتًا على قدرةٍ إنسانيةٍ تتجاوز المألوف، وبلغ من الضخامة حدًّا جعله أسطورةً قائمة بذاتها.
معبد جوبيتر
حين تطأ قدماك بعلبك، لا مفرّ من الوقوف أمام معبد جوبيتر، ذلك الصرح الذي أقامه الرومان فوق بقايا فينيقية، فارتفع شامخًا كأنما يتحدّى الزمن. كان يقوم على أربعةٍ وخمسين عمودًا، لم يبقَ منها سوى ستةٍ ما زالت تروي قصة الصمود. وفي أساسه، ترقد حجارة “التريليثون” الهائلة، التي يبلغ وزن الواحدة منها نحو ثمانمئة طن، وكأنها كُتبت لتبقى لغزًا مفتوحًا أمام العقول؛ كيف نُحتت؟ وكيف نُقلت؟ وكيف استقرّت بهذا الإتقان؟
استمرّ بناؤه قرونًا، من القرن الأول إلى الثالث الميلادي، وكان مكرّسًا لعبادة جوبيتر، إله السماء والرعد، في صورته الرومانية المرتبطة بالموروث الكنعاني. ولم يكن المعبد مجرد بناءٍ ديني، بل كان حصنًا رمزيًا، تتناثر على جدرانه نقوشٌ تحكي عن أممٍ آمنت وقاومت وبحثت عن معنى وجودها.
وفي رحابه، تمتدّ مساحاتٌ خضراء كأنها تطريزٌ حيّ على قماش الزمن، فإذا رفعت بصرك، لامست السماء أطراف خيالك، وتبعثرت الغيوم كقطع قطن، بينما تلوح خلفها جبال لبنان الشرقية، محتفظةً ببقايا الثلج. هناك، يتعانق الأبيض والأخضر والذهبي في لوحةٍ مهيبة، تفوح منها رائحة التاريخ ممزوجةً بنفحات الربيع.
وعلى الجانب الشمالي، تنكشف مغارة الطحين كسرٍّ دفين، حيث يلتقي العشب بلون الحجر الكلسي الأبيض، وترسم شقائق النعمان دروبًا نحو مغاراتٍ كانت يومًا مصدر الحجارة لبناء هذه العجائب. في ذلك المكان، تشعر وكأن الزمن ينحني قليلًا، لتبصر النقوش كحبات فيروزٍ تتلألأ في صمت، هامسةً: “اقرأونا… فقد كُتبنا لنُروى”.
رأس العين
وفي فصلٍ آخر من الحكاية، ينبثق الماء من رأس العين، حيث اكتشف الرومان منبعًا للحياة، فشيّدوا معبدًا لنبتون، إله الماء، غير أن الزمن لم يُبقِ منه سوى شذراتٍ من حجارة. ومن هناك، ابتكروا نظامًا هندسيًا بارعًا، نقل المياه عبر قنواتٍ محكمة، ظلّت صامدةً لآلاف السنين.
وعلى أنقاض ذلك الإرث، ارتفع مسجد رأس العين، الذي شُيّد أول مرة في القرن الأول الهجري، ثم أعاد السلطان بيبرس بناءه، ليبقى شاهدًا على تداخل الحضارات. ورغم ما أصابه من أذى في السنوات الأخيرة، ظلّ المكان نابضًا بالحياة، رافضًا أن يتحوّل إلى ذكرى صامتة.
فالمنطقة لم تكتفِ بتاريخها، بل أعادت تشكيل نفسها كمركزٍ للثقافة والفكر، تحتضن اللقاءات الأدبية والعلمية، وكأنها تُصرّ على أن تكون حاضرةً في الزمن كما كانت في الماضي.
وفي الربيع، تتجلّى الحكاية بأبهى صورها؛ يبدأ النبع من قطرة، ثم يشقّ طريقه بين الصخور، تحرسه الأزهار. وحين تنعكس عليه أشعة الشمس، يتلألأ كأنما نُثر فيه الألماس، فيما يقف مقام السيدة خولة بقربه، في مشهدٍ يمزج بين قدسية المكان وسحر الطبيعة.
بعلبك ليست مدينةً فحسب، بل كتابٌ مفتوح، دُوّنت في صفحاته حكايات الحضارات، وزُيّنت هوامشه بخضرة الأرض. وفي كل ربيع، يُقلب هذا الكتاب صفحةً جديدة، يخفّف فيها الزمن من هيبته، ويمنح المكان دفئًا يشبه الحنين.
