وفاء زهراوي… حين يرسم الألم ملامح الضوء____
بقلم خليفة عبد السلام ________

ليست كل البدايات بريئة ولا كل المواهب تجد من يحتضنها، في سيرة وفاء زهراوي يولد الفن من منطقةٍ أكثر قسوة؛ من الرفض، من السخرية، من الأوراق الممزقة… ومن صمتٍ دام خمسة عشر عامًا، لكنه لم يكن موتًا، بل كمونًا عميقًا لشرارة لم تنطفئ، فمنذ طفولتها كانت تمسك القلم لا لتقلد، بل لتبحث عن نفسها وحين أُغلقت الأبواب في وجهها اختارت أن تغلق دفاترها أيضًا، لكن الرسم لم يغادرها.. ظل يسكنها كنبضٍ خفي وعندما عادت لم تكن تلك الطفلة، بل فنانة تحمل في داخلها ذاكرة الألم وتحوله إلى خطوطٍ أكثر وعيًا وأكثر صدقًا
رحلتها لم تُبنَ على تعليم تقليدي، بل على جهدٍ ذاتي شرس وبحثٍ لا يهدأ حتى التقت بمن أعاد ترتيب فوضى الموهبة داخلها وفتح لها باب الأساسيات لا كقواعد جامدة، بل كأدوات لاكتشاف صوتها الخاص ومن هناك، بدأت ملامح فنانة تتشكل
بين السريالية والواقعية، لم تكن وفاء تختار أسلوبًا بقدر ما كانت تختبر حدودها لكنها حين لامست الواقعية أدركت أنها ليست مجرد تقنية، بل مواجهة مباشرة مع الحقيقة، مع التفاصيل، مع القدرة على إعادة خلق الحياة على سطحٍ صامت. فاختارت التحدي وغاصت فيه
ألوانها ليست حيادية؛ إنها انعكاس صريح لحالتها الداخلية- الداكن منها يحمل غضب السنوات، والزاهي محاولة للنجاة.. فهي لا تلوّن اللوحة فقط، بل تفرغ ذاتها فيها كأن كل ضربة فرشاة اعتراف غير معلن
ولأنها تبحث عن التفرد لم تتوقف عند المدارس الكلاسيكية، بل ذهبت نحو الجذور، نحو رموز الطاسيلي، والزخارف الأمازيغية، لتعيد صياغتها داخل تجربتها، في محاولة جريئة لخلق لغة بصرية لا تشبه إلا نفسها
ورغم قلة المشاركات، وتعثر بعض الخطوات، لم تنكسر.. بل اختارت أن تتوقف قليلًا -لا لتنسحب، بل لتعيد التفكير، لتعود لاحقًا بشكلٍ أكثر نضجًا وأكثر جرأة
وفاء زهراوي لا ترسم فقط… هي تعيد كتابة قصتها بالألوان، قصة تقول إن الفن الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من الصراع، وأن ما يُقمع يومًا قد يعود يومًا أقوى… وأكثر إشراقًا.









