في حضرة الأنا ومن معها_________

بقلم خليفة عبد السلام__________

في المشهد الثقافي الذي يُفترض أن يكون فضاء حرا للإبداع والنقد والتنوير تبرز أحيانا ساحة مغايرة تماما، ساحة تقوم على الضبابية وعلى التمييع بدل التقييم، وعلى المحاباة بدل الاستحقاق، وتُدار بعقلية المحسوبية بدل المعايير المهنية فهذه الساحة لا تُنتج ثقافة بقدر ما تُعيد تدوير العلاقات ولا تحتفي بالإبداع بقدر ما تُكافئ القرب والولاء
في مثل هذا المناخ العكر تتراجع قيمة العمل الثقافي الحقيقي لصالح شبكات مغلقة من “الأصدقاء” و”المعارف” حيث تُوزع الفرص والمنابر وفق اعتبارات شخصية ضيقة يصبح النشر امتيازا لا حقا وتتحول الجوائز إلى أدوات تعزيز للنفوذ لا للاعتراف بالكفاءة.. أما النقد، فيفقد وظيفته الأساسية- إذ يُستبدل بالمجاملات أو الصمت المتواطئ
الخطير في هذه الساحة ليس فقط إقصاء الأصوات الجادة، بل خلق وهم ثقافي كامل تُصنع فيه أسماء وتُلمع صور دون رصيد حقيقي.. وهكذا، يُدفع بالمشهد نحو التسطيح- حيث تغيب الجرأة الفكرية ويحل محلها خطاب استهلاكي خفيف قابل للترويج السريع لكنه فاقد للعمق والتأثير
أما المثقفون المنخرطون في هذه الدائرة فكثيرا ما تتحول أهدافهم من خدمة الثقافة إلى خدمة الذات وتُصبح الكتابة وسيلة للتموضع والمشاركة في الفعاليات باباً للعلاقات، والانتماء إلى “الشلل” شرطا للبقاء في الضوء.. في هذا السياق، يتراجع الحس النقدي لصالح حسابات الربح والخسارة ويُختزل المثقف في دوره الاجتماعي لا الفكري
لكن رغم هذا الواقع المصاب بالصدأ، تظل هناك أصوات خارج هذه المنظومة، تعمل بصمت وتراهن على الجودة والاستقلالية من عمق المستنقع.. هذه الأصوات، وإن بدت مهمشة، تمثل الأمل الحقيقي في استعادة المعنى الأصيل للثقافة بوصفها فعلا نقديا حرا، لا تابعا ولا مُروّضا
إن تفكيك هذه الساحة لا يكون فقط بفضح الياتها، بل أيضا بإعادة الاعتبار للمعايير المهنية وفتح المجال أمام التنوع والاختلاف وتشجيع النقد الصادق- فالثقافة التي تُبنى على المحسوبية لا يمكن أن تصمد، بينما تلك التي تقوم على الكفاءة والحرية، هي وحدها القادرة على البقاء والتأثير.