نقوش العاصفة_________
بقلم أ- عبد العالي لعجايلية_________

أعيش في غمد الفوضى، لا بوصفها حدثًا طارئًا، بل كطبيعةٍ داخلية فقدت قدرتها على التهدئة. كل شيء في داخلي يبدو كأنه في حالة تشكّل دائم، كأن الاستقرار فكرة لا تصلح إلا لتزيين اللغة، لا لاحتواء التجربة.
أفكاري لا تمر بي بهدوء، بل تقتحم صدري كأنها تبحث عن مخرج لا يوجد. ليست خيولًا جامحة بقدر ما هي تيارات متقاطعة، تتصارع داخل مساحة ضيقة اسمها الوعي، فتجعلني أرى الزمن كأنه لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا، بل ارتباكًا ممتدًا بين لحظة وأخرى.
في الليل، لا أنام. ليس لأن السهر اختيار، بل لأن الصمت حين يشتد يتحول إلى مرآة قاسية. هناك، في عمق هذا النفق البطيء، أكتشف أن الضوء ليس شيئًا أبحث عنه خارجًا، بل شيء يُنتزع من داخلي، من بين طبقات الخوف التي تراكمت بصمت طويل.
أنا لا أكتب لأصف ما أشعر به، ولا لأجمّل ما أعيشه. الكتابة عندي ليست زينة للوعي، بل محاولة لكسر صلابته. كل جملة هي تفكيك لبنية وهمٍ استقرّ طويلاً في الداخل، وكل فكرة هي اختبار جديد لمدى قدرة الإنسان على احتمال نفسه دون أقنعة.
قلمي ليس سلاحًا ضد العالم، بل أداة لفهمه حين يختلط عليّ. أحيانًا يبدو كأنه الشيء الوحيد الذي يمنعني من الانهيار الكامل، لا لأنه يربح المعركة، بل لأنه يؤجل السقوط لحظة إضافية تمنحني فرصة للرؤية.
لا أواجه الآلهة ولا الوحوش كما تُقال في الاستعارات الكبرى، بل أواجه تلك النسخة غير المرئية من نفسي حين تتعب من حمل المعنى. هناك فقط، في تلك المسافة الضيقة بين ما أكونه وما أظنه، يحدث الصراع الحقيقي.
أكتب لأن في الكتابة نوعًا من البقاء المختلف، بقاء لا يقوم على الانتصار، بل على الاعتراف. كأن الكلمة تقول: لم أفهم كل شيء، لكنني لم أعد أستطيع الصمت.
وهذا وحده يكفي لأبقى واقفًا، ولو على حافةٍ لا ترى تحتها إلا الاحتمالات.
