الاقتباس الفني بين الابداع والسرقة _____
بقلم إيمان كحول _______

لم يعد السؤال : ماذا نبدع؟ أو ماذا نكتب؟
بل أصبح: من أين نأخذ؟
نقرأ روايات عديدة ، فنشعر أن مشاهدها مرت على ذاكرتنا من قبل ، نشاهد مسلسلات وأفلاما أو حتى عروض مسرحية فنكتشف أنها مألوفة حد الضجر.
نفرح ، نتفاعل ،نصفّق، ثم فجأة بدون مقدمات نتساءل بصمت.
هل هذا إبداع جديد … أم إعادة عرض أشياء قديمة بحلة جديدة؟
إن الاقتباس الفني ليس بالظاهرة الحديثة، فنحن لطالما سمعنا تلك الجملة الشهيرة “مقتبس من عمل عالمي أو مستوحى من رواية شهيرة” هذا ما يدعى بالذاكرة الإبداعية.
فكل سيناريو يولد من نصوص سابقة، وكل فكرة تحمل أثر ما قبلها، لكن يجب أن ندرك أن هناك خيط رفيع لا يكاد يُرى بين الاقتباس المشروع و السرقة ببراعة .
فمثلا كم من عروض مسرحية وُلدت من رحم رواية؟
وكم من نصّوص كلاسيكية يتم بثها للمشاهد برداء معاصر؟
هنا ندرك أن المشكلة أكبر بكثير من الاقتباس لأن الفن بطبيعته يعيد إنتاج نفسه، بطرح مختلف لكن الإشكال بدايته عندما يصبح الاقتباس اختزال للطريق، فهو ليس آلة تعيد تصنيع نفس المنتج بألوان مختلفة ، فحين يأخذ الفنان أو الكاتب نفس الفكرة، الهيكل، والروح ثم يضيف لمسته الخاصة بسطحية وبكل جرأة يعلن ميلاد “عمل جديد”.
هل يا ترى تكفي هذه التغيرات ،الأسماء ، الزمان والمكان .
هل هذا هو الإبداع الحقيقي؟
لندرك في النهاية أن العمل الجديد لا يُنسخ ، بل يعيد ابتكار المضمون ، لا يستعير الكلمات والمشاهد بل يُعيد تشكيلها، فالنص الأصلي مجرد نقطة بداية، أو بمثابة فكرة عامة على الموضوع لا سقفًا يُقيّد عقل وخيال الكاتب ويجبره على المشي في نفس السكة.
هنا نجد السؤال المطروح..
هل هذا هو الاقتباس الحقيقي أم ذكاء في إخفاء المصدر؟
مفارقة ساخرة خاصة في هذا العصر الذي طغت عليه التكنولوجيا فبعض الأعمال أو جلها تُقدَّم على أنها “أعمال جديدة ومعاصرة ”، بينما الحقيقة هي العكس فهي لا تملك الجرأة على مواجهة نفسها والتقديم كأنها إبداع مستقل بنفسه ، فهي ذاكرة عمل سابق يُعَمر على ظل نجاحه.
و الأكثر سوءا أن الجمهور نفسه أصبح جزءًا من هذه اللعبة المبرمجة على النجاح والنهايات السعيدة فقط فلا أحد يريد المخاطرة بقصة أو سيناريو جديد نهايته الفشل، فلماذا لا نعيد تقديم ما هو ناجح أصلًا وانتهى ؟
ابتسامة وفخر على وجه منتج العمل … وجمهور سعيد يصفق بحرارة لأنه يعرف النهاية المرضية …
لكن أين هو حضور الفن من كل هذا ؟
هنا ندرك أن الفن مختلف ليس نسخة محسنة كما نحب من عمل موجود سابقا ، بل هو ذلك العمل الفني الذي يخلق ارتباكا وتوترا مع المألوف والذي يجعل المشاهد يتساءل؟ لا أتذكر هذا .. لم أرى مثله من قبل … إنه جديد …هذا كله بطريقة أجمل من السابق .
هنا يكمن الفرق بين الفنان الحقيقي والمقلّد الفاشل فالأول يذيب المصدر ويصهره بطريقته ورؤيته الخاصة حتى يختفي الأصل تماما ، بينما الثاني يضع ويقدم الأصل في الواجهة بدون تعب ويكتفي فقط بتغيير الإطار.
وهنا يصبح التساؤل الأكثر قسوة يطاردنا .
إذا كان العمل كاملا يعتمد على فكرة ليست له ، وروح وبنية ليست له فماذا الذي بقي ؟
لمسة الاخراج و الديكور اللغوي لعمل بمثابة جسد مستعار ومع الاتحاد بالسرعة في هذا العصر التكنولوجي يكون الاقتباس من الصفقات الناجحة لتكون المعادلة التالية حتمية:
الفكرة الجاهزة تعني صفر مخاطرة و الجمهور المضمون يعني نجاح أسرع وحتمي وذلك الاسم المعروف هو تسويق سهل هين لا تعب فيه، لكن في الجهة الأخرى ومكان مهجور ثمن يدفع حيث الجرأة والصوت الخاص تم الإعلان عن وفاتهم . حين تحول الفنان من كاتب صاحب رؤى جديدة إلى مُعيد للترتيب مع انعدام المواجهة.
هذا هو الحال الذي وصل إليه الفن اليوم في ظل غياب المساءلة ، فليس كل ما يُعرض على أنه فن فنًا وكل ما يعاد ترتيبه إبداعاً.
في النهاية ليست المشكلة في الاقتباس أو الأخذ من السابق بل حين تكتفي بالتكرار واعادة كل ما قيل دون قول ما لم يُقَل.
