النضج بين الحقيقة والوهم… أن تكبر دون أن تصل ___

بقلم إيمان كحول________

في زاوية ما من هذا العالم حول طاولة ما ، تدورعجلة العمل، نقاش حاد ،صوت مرتفع إصرار على الرأي حتى لو كان خاطئا …. جملة أخيرة “أنا ناضج وأعرف ما أقول وأفعل ” صمت رهيب كأن المعركة انتهت، في ظاهرها لكن الحقيقة هنا كانت البداية….
موقف بسيط لكنه كشف شيئ عميق هل هذا هو النضج أم أنه دور متقون ؟
في هذه الحياة وفي لحضة منها نقف، نلتفت يمينا ويسارا إلى أنفسنا نتصور أننا أصبحنا ناضجين بما يكفي يتملكنا الكبرياء أننا وصلنا قمة الذروة ، نتذكر أخطاء الماضي على أنها لا تتكرر وأن تجاربنا صقلت يقضتنا و وعينا بما فيه الكفاية لكننا لا نعلم هل النضج وهم مريح لارضاء غرورنا ومكافئة بعد عمر وتجارب خضناها أم أنه فعلا محطة وصلنا إليها بعد سكة طويلة .
إن النضج يعتمد على مدى الأسئلة التي نطرحها يوميا دون توقف أو حين ندرك ونعترف أنها لا تنتهي فلا يقاس بعدد السنوات التي عشناها ، فكلما ضننا أننا نعرف أكثر من الآخرين نكتشف هشاشة وضعف ما نعرفه وأنه نقطة من بحر ، فالانسان العاقل لطالما ربط هذا المفهوم في جوهره بأنه القدرة على كبح الانفعالات خاصة وقت الغضب ، أو إصدار واتخاد قرارات عقلانية و القدرة على التحكم في النفس في حين من جهة أخرى يرى شخص آخر النضج الحقيقي هو أن يكون الانسان قادرا على فهم أفكاره وتلك الفوضى التي تقبع داخل عقله دون انكار أو رفض ، ورغم تلك التجاعيد التي رسمها الزمن على ملامحه ورغم سنه أن داخله طفل صغير لا يكبر وخوف لا يزول ورغبة تبحث عن هوية لها .
هنا في مجتمعنا في بداية العمر يُفرض علينا أن نلبس قناع النضج لا أن يكون حالة داخلية عادية للانسان ، نُظهر الصلابة و القوة في عز انهيارنا ،نتعلم كيف نخفي ضعفنا وألمنا أن نوهم الناس أننا سعداء ، حتى عند سؤالنا عن حالنا يُحَرم علينا أن نقول عكس تلك الجملة من كلمتين ، “أنا بخير ” أصبحت ترافقنا كأسماءنا ، بينما داخلنا ينزف دون توقف شيئ فينا يطلب النجدة بصمت لعله ينجو من هذا الألم ، هل هذا هو الاحتراف في التمثيل أم النضج على طريقة مجتمع أصدر الحكم علينا ؟
فهو ليس شهادة نحصل عليها بل سلوك يتغير ويتجدد في كل مرة في موقف ما ، قد نكون أطفالا حين يتعلق الأمر بملاطفة طفل صغير أو اللعب معه ونكون حكماء وعقلاء في العمل ناضجين في البيت ، نظن أننا تجاوزنا بعض الأحداث لكن عند أول ذكرى يعود كل شيئ، في بعض الأحيان يحدث ذلك الارتباك ليس ضعفا إنما دليل على أننا في طور التعلم والتكون ، هكذا هي الحياة كموجة بحر لا كخط مستقيم كما نحب ،فالنضج يكون حين ندرك طريقة التصرف الصحيح حين نُختبر ، لا أن نكون أقل حساسية من المواقف ولا ان نتوقف عن الاحساس بل في كوننا أكثر صدقا في مواجهة أنفسنا وفهم شعورنا وأخطاءنا دون خجل أو الهروب منها ، فلا يمكننا أن نعتبر الاستقرار التام نضجا فالانسان في حياته يمر بعدة مراحل في كل مرة تكشف له نقصا جديدا لم يكن يراه ، ما كان قبل سنوات في المراهقة والشباب نضجا أصبح اليوم كأنه سذاجة تحت لواء الثقة والكبرياء .
هل نحن ناضجون بما يكفي ؟ سؤال في الظاهر يقر أن النضج له نهاية لكن الحقيقة هي أنه متجدد ليس له نهاية، هو رحلة مستمرة على مدى سنوات وعقود من شك ويقين ،تعلم واعادة تصحيح الاخطاء ، أحيانا البدأ من جديد أو التراجع ، فأكثر الناس نضجا من لا يدعون المثالية ويلبسون لباس التنكر من يتركون كل شيئ يسير وفق ما هو عليه كما هناك مساحة للتصحيح هناك للخطأ..فالقياس لا يكون بعقل مكتمل بل بعقل يقبل التغير و التعلم ، ربما لن نصل يوما إلى قول”أصبحت ناضجا بما يكفي ” لكن في تلك اللحظة يولد نضج لا يُعلن عن نفسه لكنه يُرى في الأفعال.