بين من قال والصدى .. مساحة فراغ____
بقلم خليفة عبد السلام ______

في مساحة يُفترض أن تتكاثر فيه الأسئلة، يتناقص عدد الذين يجرؤون على طرحها- لا لأن الإجابات متوفرة.. بل لأن فئة واسعة إن لم تكن الأغلبية ممن يُفترض أنهم “حملة الفكر” اكتفوا بدور الناقل لا المفكر والمردد لا المبدِع، لقد تحول المثقف بالوطن العربي في أغلبه إلى صدى باهت لأصواتٍ غابرة يختبئ خلف أسماءٍ كبيرة ويستعير عباراتٍ لامعة لكنه في المساحة نفسها يعجز عن إنتاج فكرة واحدة تنتمي إليه
المشهد مألوف حد الابتذال- نقاشٌ يبدأ بسؤال معاصر، فيُقابَل بسيل من “قال نيتشه”، “يرى دريدا، “يؤكد فوكو”… وكأن الحقيقة توقفت عندهم.. وكأن العالم لم يتغير منذ أن كُتبت تلك النصوص، الأسوأ من ذلك أن هذا الاستدعاء لا يأتي بوصفه حوارًا نقديًا مع التراث الفكري- بل كسلطةٍ تُسكت الحاضر وتُعفي المتحدث من عناء التفكير فيصبح الاقتباس درعًا، لا أداة
لا تكمن الاشكالية في قراءة الفلاسفة- بل في عبادتهم، فالفكر الحقيقي لا ينمو في ظل التقديس- بل في مساحة الشك والمساءلة.. حين يتحول اسم الفيلسوف إلى “حجة نهائية”، يموت الحوار وحين يصبح النص القديم بديلا عن التجربة الحية يُصاب العقل بالشلل ..إن المثقف الذي لا يرى في الفلاسفة إلا أجوبة جاهزة لا يختلف كثيرا عن حافظٍ للنصوص الدينية دون فهم؛ كلاهما يكرر ولا يُنتج
الأدهى أن هذا النمط من “المثقفين” يتنازل طوعا عن صوته يذوب في كلمات الآخرين حتى يفقد القدرة على قول “أنا أرى”..وعندما تأتي لحظة المواجهة – لحظة أن يُسأل.. ماذا تعتقد أنت؟ يسود الصمت، صمتٌ ثقيل.. يكشف هشاشة البناء الذي شُيد من اقتباساتٍ متراكمة بلا روح
إن الفقر الحقيقي ليس فقر المعرفة- بل فقر الجرأة.. الجرأة على الخطأ، على التجريب، على أن تقول فكرة قد لا تكون مكتملة لكنها صادقة، أما الاحتماء الدائم بعبارات الآخرين فليس تواضعا فكريا كما يُسوّق له- بل عجز مقنّع
نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من “الناقلين الأنيقين”- بل إلى عقولٍ تخاطر بالتفكير، إلى مثقفٍ يرى في نيتشه بداية سؤال.. لا نهايته؛ وفي دريدا أداة تفكيك.. لا نصا مقدسا، مثقفٍ يفهم أن الفكر ليس أرشيفًا نعود إليه- بل فعل حي نُمارسه
وحتى يحدث ذلك، سيظل المشهد يدور في حلقةٍ مفرغة- أسماءٌ كبيرة تُستدعى، أفكارٌ قديمة تُعاد صياغتها، وأصوات حاضرة تختار الصمت حين يكون الكلام ضرورة
