صندوق الموت: أو كيف نفكر في الموت خارج التوابيت؟_
مقاربة نقدية في رواية (رجل شارع روما) للروائي التونسي(محمد الحباشة)_____
بقلم أ- د. لونيس بن علي ________

تحتفي رواية الروائي التونسي (محمد لحباشة) التي بعنوان (رجل شارع روما) بسؤال فلسفي كبير: ما الموت؟ هو سؤال شغل الأدبَ قديما وحديثا، منذ ملحمة غلغامش البابلية، وصولا إلى السرود المعاصرة.
يتجدد هذا السؤال بوصفه يعبّر عن حيرة الإنسانِ وقلقه الوجودي، لأنّ الموتَ جزء لا يتجزأ من سؤال الحياة، و هو طرفه المناقض، أو المزعج أو المخيف. إذ لا تخلو ثقافة إنسانية من الموقف نفسه وهو أنّ الموت، بتعبير (إليزابيت كوبر روس)، كان دائما مكروها وسيبقى مكروها دائما. (الموت والاحتضار، تر: عبد المقصود عبد الكريم، منشورات صفحة سبعة) وثانيا لأنّ بين السرد والموت علاقة جدلية؛ لا بوصفه معبّراً عن تجلياته، بل لأنّ السرد يعرِّف نفسَه كفعل مقاوم للموت، ولعلّ شخصية (شهرزاد) تمثل النموذج الكوني للراوي الذي أجّل موته عبر الحِكاية.
الموتـُ(فوبيا):
يظهر الموت في رواية (رجل شارع روما) (منشورات نوفل) كحالة إدراك ووعي شقي بما ينتظر الإنسان من تفسخ وتحلل، وهذه الفكرة بالذات جسّدت الوجه المرعب في الموت الذي جعل (أمين) أحد شخصيات الرواية الأساسية يعيش قلقا وجوديا، حيث لم يتقبّل فكرة أن جسده في الأخير سيتحول إلى “وليمة باذخة للديدان”.
((كانت فكرة أنّ الديدان ستأكل جسده بعد الموت تؤرقه مغرقة إياه في دوامة من الوسواس القهري. كان يسعى كل يوم إلى إلهاء نفسه عن التفكير بالأمر بتقديم محاضرات وشرب كأس مع وليد في إحدى الحانات وسط تونس)).
يظل الخوف من الموت مُلازما للإنسان، حتى في هذه الأزمنة التي تطورت فيها العلوم وتحسنت ظروف المعيشة، غير أنّ المفارقة هي أننا ((كلما حققنا تقدما أكبر في العلم، بدا أننا نخاف من الموتِ أكثر وأننا ننكر حقيقته أكثر)). (إليزابيت كوبر روس، الموت والاحتضار، ص52).
إلى حد الآن، ما يعاني منه (أمين) سيبدو طبيعيا، لأنّه لا يوجد إنسان لم يفكر في لحظة ما في موته أو لم تسكنه كوابيس حول عالم ما بعد الموت، لكن طريقة تعامله مع هذا الهاجس الوجودي هو الذي يبدو غريبا؛ فقد قرر أن يجهّز تابوتاً على مقاسه يخبئه في بيته، ويكون هذا التابوت من النوعية الرفيعة حيث سيحمي جسده – وهنا تكمن الغرابة – من التحلل والتعفن. إذ نفهم أنّ ما يخيف (أمين) ليس (الموت) في ذاته، بل هو تلك الصورة المريعة عن تفكك الجسد وتحلله، كأنه يحمل تصورا بأنّ لحظة تفسخ الجسد ستكون تجربة واعية حتى بعد مفارقة الروح للجسد.
من التحوّلِ إلى التحلّلِ:
سيتجه (أمين) رفقة صديقه (وليد) إلى السيد (عيسى)، الملقب برجل شارع روما، وهو أفضل من يصنع التوابيت في تونس. تعلّم الحرفة في (رومانيا) أيام كان طالبا في علم الآثار.
اشتغل السيد (عيسى) أستاذا في علم الآثار، قبل فصله من عمله بسبب معارضته لنظام (بن علي) القمعي، فتحول بعد ذلك إلى (صانع للتوابيت).
هناك دلالة مهمة في هذا التحوّل، من أستاذ جامعي إلى صانع للتوابيت، وهو تحول من مقام المعرفةِ وإنتاجِ وسائل فهم الحياة الإنسانية إلى مقام الموت؛ فالأنظمة القمعية في جوهرها هي تابوت كبير صُنع على مقاس الشعوبِ.
إنّ ما تلمّح إليه هذه الرواية، وهو ما سنفصّل فيه بعد قليل، هو فعل (التحول) الذي اتخذ شكل التفسخ، إما في شكله المادي (تفسخ الجسد)، وإما في شكله الرمزي (تفسخ الروح والانتقال من مقام الخير إلى مقام الشر والجريمة). وكل هذه الرمزية، أقصد رمزية التحول، اتكأت دلاليا على (التابوت).
كيف نفكر في الموت عبر التابوت؟
يحضر (التابوت) في أغلب الأوقات كامتداد طبيعي ورمزي لفكرة الموت التي خيمت على مجمل أحداث الرواية؛ حيث يتحدد موقع كل شخصية وقيمتها من خلال المسافة التي تفصلها عن الموت.
بمعنى؛
تشكل وعي السيد (عيسى) مبكرا من خلال تجربة (موت والده) المريعة والتي كانت توقيعا مريعا لوعي مبكر بالموت. اقترنت ذاكرته الأولى برائحة جثته التي لم تدفن مبكرا، فكان شاهدا على تحللها المقرف. ارتبط الموت برائحة الجثة الممزوجة برائحة البصل، حيث عمد الذين جلبوا الجثة من المستشفى إلى وضع قطع بصل فوقها للتخفيف من انبعاث رائحتها الكريهة. تتجلى فظاعة الموت في مشهد تعفن الجسد.
أما (أمين)، فستنتهي حياته، بطريقة لم أتوقعها كقارئ للرواية، على يد حبيبته (سيرين) بعد ملاسنة كلامية، فتضربه على رأسه بقنينة زجاجية، ليسقط صريعا غارقا في دمائه. وفي تصوري لا توجد نهاية أكثر مأساوية وعبثية من نهاية كهذه.
وهناك تفصيل لابد من ذِكره، فقبل الشجار الذي وقع بين أمين وسيرين وانتهى بمقتله، سبق كل ذلك وصال جسدي محموم بين الحبيبين، كأنّ الطريق إلى الموت لن يكون إلا عبر إشباع غرائز الحياة. الموت هو حالة إشباع كلي لجميع الرغبات.
كما سيلقى (وليد) نفس المصير، عندما هجم على (سيرين) التي اعتدت على صديقه، لكنها ستباغته بطعنة في القلب بنصف الزجاجة المكسورة، فيفارق الحياة هو الآخر، بطريقة عبثية.
المفارقة أنّ الشابين سيُدفنان في حديقة بيت (سيرين) دون وضعهما في تابوتين (مشهد سينمائي). فما خطط له (أمين) لم يتحقق، وفي ظني أنّ الإجابة الوحيدة عن سؤاله الكبير: (ما الموت؟) الذي لطالما لازمه، هو أن يموت. لكن هل يعي الموتى بموتهم؟ سيموت أمين، وسيترك وراءه إرثا رمزيا وهو “التابوت” الفارغ.
أما والد (سيرين)، فهو الأستاذ (إبراهيم)، الذي كرّس حياته العلمية للبحث في فلسفة (الموت)، فألف موسوعة يزيد عدد صفحاتها عن (3000) صفحة، بعنوان: (الموت عند الفينيقيين).
إلاّ أنّ الموتَ في الرواية تجلى في صورٍ أخرى، أكثر مجازية، منها علاقة (وليد) بزوجته (ليليا)؛ وهي علاقة وُلدت (ميتة) وتحوّلت الحياة الزوجية إلى مقبرةٍ للمشاعِر وللأحلامِ. كانت (ليليا) متأثرة بأفكار الحركة النسوية، عن تحرر المرأة من الوصايا الذكورية، ورفض الإنجاب، وانخراطها في حركات النضال الاجتماعي والسياسي. عاش (وليد) معها حياة مليئة بالاضطراب وبالصدامات اليومية التي لا تخبو، حتى لم يعد يوجد أي مبرر عقلاني لاستمرار العلاقة بينهما.
لكننا سنكتشف أن (ليليا) كانت تنجذب أكثر إلى (أمين)، الصديق الحميم لزوجها (وليد)، فتستدرجه للوقوع في المحظور، عندما زارته في بيته، لتكشف له عن مشاعرها المحمومة اتجاهه، وعلى الرغم من مقاومته لإغوائها، لكنه سيستسلم في الأخير لنداء الجسد، فيمارس الجنس معها داخل (التابوت). في هذه النقطة بالذات، نجح الروائي في خلخلة العلاقة بين التابوت والجسد؛ إذ تحول إلى مكان للغواية. داخل التابوت انفجرت الرغبات والتحم الجسدان، لينقلب مفهوم (التابوت)، فبدل أن يكون ذلك المكان الذي يتحلل فيه الجسد، أصبح مكانا لانفجار غوايات الحياة. ولو أنّ فكرة التحلل هنا، انتقلت إلى منطقة أخرى، وهي تحلل أخلاق الصداقة بين (أمين) و (وليد)، وتصدعها، بعد أن اكتشف هذا الأخير الحقيقة الصادِمة.
سيحضر الموت أيضا عبر استحضار رواية (ساراماغو) (انقطاعات الموت)؛ إذ بعد جريمة القتل، وإخفائها للجثتين في حديقة منزلها، لم تجد سيرين سوى هذه الرواية ترافقها في لياليها الآرقة.
لم يكن هذا الاستحضار اعتباطيا، ولو أنّ فكرة رواية (سارماغو) تنتمي إلى سجل فلسفي آخر: ماذا لو توقف البشر فجأة عن الموت؟ ما هو المشهد الأكثر رُعبا: أن يموت الإنسان أو أن يخلد ولا يموت؟ وانطلاقا من هذا السؤال الديسوتوبي، نُدرك بأنّ عنوان رواية (ساراماغو) جاء معارضا لأطروحة رواية (لحباشة).
انطلاقا من العناصر التحليلية السابقة، والتي فتحت مسالكا تأويلية تقريبية، وجدنا بأنّ رواية (محمد الحباشة) كانت جريئة في بناء رؤية ذكية لفكرة (الموت)، ولو أنّ الصورة العامة للموت هي أقرب إلى تمثلات شخصيات الرواية لما يُعتبر موتا بالنسبة لها.
وضع هذه الشخصيات في حالة من الصراع، تارة مع هواجسها الداخلية، مثل شخصية (أمين) ورهابه المزمن من صورة الجسد المتحلل، إلى (وليد) الذي ماتت داخله مشاعر الحب، ثم اكتشف خيانة زوجته له مع صديقه أمين، إلى قصة السيد (سعيد) صانع التوابيت الذي عاش لازمته صورة جثة والده المتحللة، إلى جريمة القتل التي ارتكبتها (سيرين)، ثم والدها (إبراهيم) الذي ألف موسوعة عن (الموت عند الفينيقيين). داخل هذه الشبكة من العلاقات، كان الموت هو المحرك الأساسي للسردِ.
