ثقافة الفراغ – حين تتحول الممارسة إلى لا شيء___

بقلم خليفة عبد السلام __________


في بيئة تتكاثر فيها الشعارات الثقافية كما تتكاثر الإعلانات، يبرز نوع غريب من “الثقافة” التي لا يمكن الإمساك بها أو تعريفها بوضوح.. ليست ثقافة تبني وعيا، ولا تصنع إنسانا، ولا حتى تقاوم واقعا مختلا- إنها ثقافة الفراغ؛ شفافةُ يملؤها الهواء.. ممارسة يومية تبدو نشطة في ظاهرها، لكنها في جوهرها لا تفعل شيئًا
هذه الثقافة لا تُنتج معرفة، بل تعيد تدوير الكلام نفسه بصيغ مختلفة.. لا تطرح أسئلة حقيقية، بل تكتفي بترديد إجابات جاهزة، محفوظة، ومُعقمة من أي قلق فكري.. هي ثقافة تستهلك الوقت، لا لتطوير الذات- بل لملء الفراغ بأي محتوى سريع الزوال كأنها تخشى مواجهة الصمت أو التفكير العميق
الأخطر من ذلك، أن هذه الممارسة تُسوق نفسها على أنها “تنوير”. تُغلف بالاقتباسات، بالصور الجذابة، وباللغة الكبيرة التي تخفي خواءها.. يتحول المثقف هنا إلى مجرد ناقل، لا صانع. يكتفي بالمشاركة، لا بالموقف ويصفق لكل شيء ولا يعارض شيئًا.. وهنا تكمن الكارثة- حين تختفي القدرة على الرفض تموت الثقافة
ثقافة لا تقاوم هي ثقافة تتواطأ.. حين لا تطرح سؤال “لماذا؟”، فهي تقبل بكل شيء كما هو.. وحين لا تُنتج فكرا، فهي تستهلك فكراً مستوردا دون تمحيص، وحين لا تبني إنسانا، فهي تفرغ الإنسان من معناه وتحوله إلى كائن سطحي يعيش على الهامش
ربما لا تكمن المشكلة في غياب الثقافة- بل في وفرتها الزائفة في هذا الضجيج الهائل من المحتوى يضيع الصوت الحقيقي ويصبح من الصعب التمييز بين ما هو عميق وما هو تافه وهنا، يصبح التحدي ليس في الوصول إلى المعرفة، بل في غربلتها
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم: هل ما نمارسه فعلا هو ثقافة؟ أم مجرد استهلاك مريح لا يتطلب منا أي جهد أو موقف؟
الثقافة الحقيقية ليست شعارا ولا ترفا، ولا زينة لغوية. إنها فعل، موقف، مقاومة، وبناء. أما ما دون ذلك، فليس سوى ضجيج… لا أكثر
فالثقافة في صورتها الحقيقية إن لم تكن تبني الفرد وتصب
في بناء جمعي يتجسد في مجتمع فأكيد أنها للأسف تهدم!