أدب الحضور أمام جراح الآخرين______
بقلم زكريا نمر_________

تتكرر في الادب الانساني والفكر الاخلاقي عبارات تنسب الى كبار الكتاب والفلاسفة، ومن بينها قول ينسب الى ليو تولستوي: عندما تقف على مآسي الآخرين وانكسارهم اياك ان تضحك، تأدب في حضرة الجرح، كن انسانا او مت وانت تحاول.ورغم ان هذا القول لا يثبت حرفيا في اعمال تولستوي، الا ان فكرته تظل منسجمة مع رؤيته الاخلاقية التي جعلت من الضمير الانساني مركزا للتفكير والسلوك.
ان الوقوف امام الم الآخرين اختبار حقيقي للقيم الداخلية للانسان. فالم لحظة هشاشة قصوى، لا تحتمل الاستعراض ولا التعليق الساخر، لان صاحبها يكون في حالة انكشاف انساني كامل. وهنا يظهر الفرق بين من يتعامل مع معاناة الآخرين بوصفها مادة للفرجة، وبين من يدرك انها لحظة تستدعي الاحترام الصامت. الضحك او التقليل من شأن الجرح في هذه اللحظة لا يعكس قوة، بل يكشف قسوة او غيابا للتعاطف.ادب الحضور ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل هو شكل من اشكال التربية الاخلاقية العميقة. ان تتعلم كيف تصمت حين يجب الصمت، وكيف تختار كلماتك بحذر حين يكون الكلام ضروريا، وكيف تمتنع عن اصدار الاحكام السريعة على من يمر بانكسار. فالكلمة في لحظات الالم قد تكون اثقل من الفعل نفسه، وقد تترك اثرا لا يمحى.
لا يقف المعنى عند حدود الامتناع عن الاذى، بل يتجاوز ذلك الى فعل انساني ايجابي يقوم على التعاطف الحقيقي. فالانسانية لا تقاس بغياب السخرية فقط، بل بالحضور الواعي الذي يحاول ان يخفف الالم او يفهمه على الاقل. ان تكون انسانا يعني ان ترى الآخر في ضعفه دون ان تستغله، وان تشاركه دون ان تجرحه اكثر.وتزداد اهمية هذا المعنى في زمن اصبحت فيه المآسي تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل، حيث يتحول الالم احيانا الى محتوى، والمعاناة الى تعليقات عابرة. في هذا الواقع، يصبح الحفاظ على الحس الاخلاقي تحديا يوميا، يتطلب وعيا دائما بان خلف كل صورة او خبر انسانا حقيقيا يعيش تجربة مؤلمة.
ان معيار الانسانية لا يظهر في لحظات القوة، بل في لحظات الضعف التي نواجهها مع الآخرين. فاما ان نتعامل مع جراحهم باحترام ووعي، او نكون جزءا من تعميقها دون ان ندرك. وبين هذين الموقفين تختبر اخلاق الانسان، ويتحدد موقعه الحقيقي من معنى الانسانية.
