بقلم د/هند محسن حلمي _____

في لحظةٍ نادرة، تتراجع فيها صرامة الجداول المدرسية، ويهدأ صخب الامتحانات، لتفسح المدرسة المجال لصوتٍ آخر… صوتٍ لا يُقاس بالدرجات، بل يُقاس بقدرته على أن يُحرّك شيئًا في الداخل؛ شيئًا يشبه الحياة نفسها. هنا، لا يعود الطالب مجرد رقمٍ في كشف حضور، ولا مجرد اسمٍ في نتيجة، بل يصبح حكايةً تُروى، وصوتًا يُسمع، وصورةً تُرى. ومن قلب هذه اللحظة، يولد مهرجان 180 للمواهب تحت رعاية مدارس الفرنسيسكان، لا كفعالية تكميلية، بل كتجربة وجودية تعيد تعريف معنى أن نتعلم، وأن نكون.
في موسمه السادس، وبمشاركة 275 طالبًا من مدارس متعددة المشارب والأنظمة—من مدارس السلام الخاصة بمنفلوط، إلى مدارس الفرنسيسكان بأسيوط وأبو تيج، مرورًا بمدارس STEM، والنيل الدولية، والانتصار والتحرير التجريبية، وغيرها من المؤسسات التي التقت على أرض واحدة—يتشكل مشهدٌ لا يمكن اختزاله في كلمة “مهرجان”. إنه أقرب إلى حالة إنسانية جماعية، تتجاور فيها الأصوات، وتتصافح فيها التجارب، وتُكتب فيها سيرة جيلٍ كامل بلغة الفن.
يقف خلف هذا الحدث الفني التربوي فريق مؤمن بقيمة الفن في بناء الإنسان، يتقدمه راعي المهرجان ومدير المدارس الأب/ مخلص مصري، ومنسقة المهرجان الأستاذة/ فيفيان ثابت، في إدارة واعية تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من اكتشاف طاقات الطلاب وتوجيهها.
حيثُ أنه ليس من السهل أن تُقنع طالبًا بأن يقف على المسرح ويُعرّي صوته أو جسده أو مشاعره أمام جمهور. الأمر يتطلب أكثر من تدريب؛ يتطلب بيئة تؤمن به قبل أن يؤمن بنفسه. وهنا تحديدًا تكمن القيمة العميقة لهذا الحدث، الذي يقف خلفه وعي تربوي ممثل في رعاية الأب مخلص مصري، وتنظيم دقيق تقوده الأستاذة فيفيان ثابت. هذا الوعي لا يرى في الفن ترفًا، بل ضرورة، ولا يعتبر الموهبة صدفة، بل مسؤولية يجب اكتشافها وصقلها.
فحين نصغي جيدًا لما جرى داخل هذا المهرجان، نكتشف أن التمثيل لم يكن مجرد أداءٍ لنصوص محفوظة، بل كان محاولة حقيقية لفهم الذات عبر الآخر. الطالب الذي يقف على الخشبة لا يمثل فقط، بل يعيد ترتيب داخله، يختبر مشاعر لم يعشها، ويواجه نفسه في مرآة الشخصية. وكأن المسرح، في لحظته الأصدق، لا يقدّم عرضًا بقدر ما يقدّم اعترافًا. هنا تتحقق مقولة قسطنطين ستانسلافسكي: “الممثل لا يقلد، بل يعيش”، إذ بدا واضحًا أن كثيرًا من المشاركين لم يكتفوا بأداء أدوارهم، بل سكنوها، وتركوا أثرها فيهم.
وفي الغناء، كان الصوت أكثر من مجرد نغمة. كان امتدادًا لشيءٍ أعمق، شيءٍ يخرج من منطقة لا تصلها اللغة بسهولة. الأصوات التي تعالت لم تكن متشابهة، بل كانت مختلفة بقدر اختلاف أصحابها، تحمل بصماتهم، وارتباكهم، وجرأتهم، وأحلامهم الصغيرة التي كبرت فجأة تحت الضوء. وكما يشير رولان بارت، فإن “الصوت يحمل جسد المتكلم وروحه”، وهذا ما بدا جليًا؛ إذ لم يكن الغناء أداءً تقنيًا فقط، بل كان حضورًا إنسانيًا كاملًا.
أما الإلقاء الشعري، فقد أعاد للكلمة هيبتها. في زمنٍ تراجعت فيه سلطة اللغة أمام الصورة السريعة، وقف هؤلاء الطلاب ليقولوا إن الكلمة لا تزال قادرة على أن تُدهش. لم يكن الإلقاء ترديدًا لنصوص، بل كان إعادة خلق لها. كل وقفة، كل نبرة، كل صمتٍ محسوب، كان جزءًا من بناء معنى جديد، كأن القصيدة تُولد من جديد في كل مرة تُلقى فيها. وهنا نستدعي قول طه حسين: “الأدب الجيد هو الذي يوقظ فينا ما كان نائمًا”، وقد نجح هؤلاء في إيقاظ الكثير.
وفي زاوية أخرى، بعيدًا عن الصوت والحركة، كانت الألوان تتكلم. الرسم لم يكن مجرد لوحات معلّقة، بل كان مساحة حرة لقول ما لا يُقال. كل لوحة بدت كنافذة على عالمٍ داخلي، على قلقٍ أو حلمٍ أو ذاكرة. الطفل لا يرسم ما يراه فقط، بل يرسم ما يشعر به، وما يخافه، وما يتمناه. وهذا ما يجعل الفن التشكيلي أحد أصدق أشكال التعبير، كما يرى هربرت ريد حين يؤكد أن “الفن هو التعبير الأصدق عن التجربة الإنسانية”.
ولا يمكن إغفال العزف، تلك اللحظة التي تتحول فيها الآلة إلى صوتٍ بديل عن الكلام. بين أصابع صغيرة، تتشكل نغمات تحمل انضباطًا لافتًا، وإحساسًا يتجاوز العمر. العزف هنا لم يكن مجرد التزام بالنوتة، بل كان حوارًا صامتًا بين الإنسان وآلته، بين الداخل والخارج، بين ما يُحس وما يمكن أن يُسمع.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المهرجان لا تكمن فقط في تنوع مجالاته، بل في أثره العميق على المشاركين. الطالب الذي يمر بهذه التجربة لا يخرج منها كما دخل. هناك شيء يتغير، ربما في نظرته لنفسه، أو في جرأته على التعبير، أو في قدرته على الوقوف أمام الآخرين دون خوف. الدراسات التربوية تؤكد أن الفنون تعزز تقدير الذات، وتنمي مهارات التواصل، وتخلق نوعًا من التوازن النفسي (Winner et al., 2013). لكن ما لا تقوله الدراسات بوضوح، نراه هنا بجلاء: أن الفن يمنح الإنسان فرصة ليكون نفسه، دون خوف من التقييم أو الحكم.
وفي سياق أوسع، يمكن النظر إلى مهرجان 180 بوصفه محاولة جادة لإعادة تعريف التعليم. لم يعد النجاح مرهونًا بدرجة نهائية، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الطالب على أن يجد صوته الخاص. هنا تتجسد نظرية الذكاءات المتعددة لهوارد جاردنر، التي تؤكد أن الذكاء ليس واحدًا، بل أشكال متعددة، منها الموسيقي، واللغوي، والبصري. المهرجان، في جوهره، يمنح مساحة لكل نوع من هذه الذكاءات ليظهر، ويُقدَّر.
في النهاية، لا يمكن اختزال ما حدث في كلمات، لأن بعض التجارب أكبر من اللغة. لكن يمكن القول إن مهرجان 180 للمواهب لم يكن مجرد حدثٍ يُذكر، بل كان لحظة تُعاش، وتُخزّن في الذاكرة، وتترك أثرًا طويلًا. ربما بعد سنوات، حين يقف أحد هؤلاء الطلاب على مسرحٍ أكبر، أو يحمل عملًا فنيًا ناضجًا، سيتذكر هذه البداية، هذه اللحظة التي قيل له فيها: “أنت قادر”.
وكما قال بابلو بيكاسو: “كل طفل فنان، المشكلة هي كيف يظل فنانًا عندما يكبر”. لعل هذا المهرجان، في جوهره، ليس إلا محاولة صادقة للإجابة عن هذا السؤال… محاولة لأن نحمي تلك الشرارة الأولى، وأن نمنحها ما يكفي من الضوء لتستمر.