بقلم خليفة عبد السلام _______
في عالم تقلصت مسافته وباتت فيه الأحداث تتداخل و المعلومات تتزاحم ، يبقى الوعي أحد أكثر المفاهيم حضورا وغموضا في الوقت ذاته فهذا الأخير ليس مجرد إدراك لما يحدث حولنا- بل هو القدرة على فهم الذات والعالم وإعادة تأويلهما عبر التجربة والمعرفة.. ومن هنا ارتبط الوعي في الكتابة بالثقافة والفلسفة بوصفها أدوات الإنسان الكبرى لصناعة المعنى ومواجهة العدم
الثقافة في جوهرها ليست ترفا فكريا أو تراكما للمعلومات- بل هي عملية بناء مستمرة للوعي الجمعي؛ فالمجتمعات التي تقرأ وتناقش وتنتج الفن والفكر تمتلك قدرة أعلى على إدراك التحولات وفهم تناقضات الواقع، الثقافة تمنح الإنسان حس السؤال وتحرره من الاستسلام للأفكار الجاهزة.. لذلك كان الاستبداد عبر التاريخ يخشى الثقافة أكثر مما يخشى السلاح، لأن الإنسان الواعي يصعب إخضاعه
أما الكتابة فهي الوعاء الأعمق لهذا الوعي منذ أن خط الإنسان الأول رموزه على جدران الكهوف كانت الكتابة فعل مقاومة ضد النسيان.. إنها لا تنقل الأفكار فحسب- بل تعيد تشكيلها فالكاتب حين يُدون تجربته لا يصف العالم فقط- بل يخلق طريقة جديدة لرؤيته ولهذا تصبح الكتابة فعلا فلسفيا حتى وإن لم تتخذ شكل الفلسفة المباشرة
فالكاتب الحقيقي لا يكتفي بسرد الوقائع- بل يسعى إلى كشف ما وراءها: لماذا نخاف؟ لماذا نحب؟ لماذا تتكرر الأخطاء البشرية رغم كل هذا التقدم؟ هنا تتقاطع الكتابة مع الفلسفة لأن الفلسفة هي الأخرى تبدأ من الدهشة والسؤال وقد أدرك الفلاسفة منذ سقراط وحتى سارتر أن الوعي لا يولد مكتملا- بل يتشكل عبر الحوار والتأمل والاحتكاك بالتجربة الإنسانية
وفي العصر الرقمي تبدو أزمة الوعي أكثر تعقيدا؛ فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وجود معرفة كما أن سرعة التواصل لا تعني عمق الفهم، لقد أصبح الإنسان محاصرا بضجيج يومي قد يضعف قدرته على التفكير النقدي.. وهنا تعود الثقافة والكتابة والفلسفة لتؤدي دورها التاريخي- إعادة الإنسان إلى ذاته
إن الوعي الثقافي اليوم لم يعد خيارا للنخب- بل ضرورة اجتماعية وأخلاقية.. فالمجتمعات التي تفتقد الوعي تصبح أكثر قابلية للانقسام والتلاعب والخضوع للشائعات، بينما يمنح الوعي الإنسان قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف وبين الحرية والفوضى وبين الرأي والمعرفة
إن الثقافة تفتح أبواب الوعي، والكتابة تحفظه، والفلسفة تمنحه العمق.. وبين هذه الثلاثية تتشكل إنسانية الإنسان، لا بوصفه كائنا يعيش فقط- بل كائنا يفكر ويسأل ويحلم.
