بقلم خليفة عبد السلام

• تعود الكاتبة والباحثة الجزائرية الدكتورة فضيلة ملهاق إلى المشهد الأدبي مطلع عام 2026 بإصدار روائي جديد يحمل عنوان “يوبا الثاني.. عرائس القيصرية” الصادر عن دار الأمة للنشر والتوزيع في عمل يجمع بين السرد الأدبي والبحث التاريخي مستحضرا واحدة من أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ شمال إفريقيا، الملك النوميدي يوبا الثاني
وتخوض الكاتبة من خلال هذا العمل في عمق العلاقات السياسية والحضارية التي ربطت الإمبراطورية الرومانية بشمال إفريقيا والمشرق العربي مستندة إلى مراجع أكاديمية جزائرية وأجنبية، ما يمنح الرواية بعدا توثيقيا ومعرفيا يعزز قيمتها الفكرية والأدبية
ويُعد هذا الإصدار من الأعمال الروائية النادرة التي تتناول شخصية يوبا الثاني كبطل محوري مستقل بعدما ظل حضوره في الأدب مقتصرا على إشارات عابرة أو أعمال مسرحية محدودة دون التوقف عند أبعاده الإنسانية والسياسية المعقدة وتختلف الرواية عن السير التقليدية التي تُروى من منظور السلطة، إذ اختارت فضيلة ملهاق تقديم الأحداث من زاوية “الهامش” عبر أصوات العبيد والخدم الذين عاشوا بالقرب من الملك وعايشوا تفاصيل حياته اليومية.. وهي مقاربة تمنح التاريخ بعدا إنسانيا مختلفا بعيدا عن التمجيد، وأكثر قربا من الحقيقة والذاكرة الجماعية وتبرز الرواية شخصية يوبا الثاني كإنسان قبل أن يكون ملكا، إذ ترصد التحولات التي عاشها منذ طفولته بعد هزيمة والده حين اقتيد إلى روما وتربى داخل بلاط يوليوس قيصر في بيئة امتزج فيها التعليم بالنفوذ السياسي والثقافة بأدوات الهيمنة، كما تتناول الرواية العلاقة التي جمعته بالأميرة كليوباترا سيليني، ابنة ملكة مصر الشهيرة كليوباترا، حيث يتحول هذا الزواج إلى رمز سياسي وحضاري يجسد التقاء الشرق بالغرب فوق أرض شمال إفريقيا في سياق تداخل المصالح وإعادة تشكيل الهويات
ولا تكتفي “عرائس القيصرية” بإعادة سرد الوقائع التاريخية، بل تربط الماضي بالحاضر من خلال إبراز آليات النفوذ التي اعتمدتها القوى الكبرى آنذاك والتي تشبه إلى حد بعيد مفاهيم “القوة الناعمة” في العلاقات الدولية المعاصرة عبر توظيف التعليم والثقافة وصناعة النخب بدل الاكتفاء بالقوة العسكرية، كما تسلط الرواية الضوء على الازدهار الاقتصادي والحضاري الذي شهدته المنطقة خلال فترة حكم يوبا الثاني، حيث تحولت مدن شمال إفريقيا إلى مراكز للتجارة والثقافة والعمران في صورة تعكس حيوية التبادل الحضاري بين ضفتي المتوسط
وتكمن قوة العمل بحسب متابعين في قدرته على إعادة الاعتبار للإنسان داخل الحدث التاريخي، إذ لا تقتصر الرواية على سرد تحالفات الملوك وصراعات النفوذ، بل تغوص في المشاعر الإنسانية والأسئلة المرتبطة بالهوية والانتماء والسيادة والتعايش بين الثقافات
وفي هذا السياق، تبدو “يوبا الثاني.. عرائس القيصرية” أكثر من مجرد رواية تاريخية؛ فهي عمل فكري وإعلامي يعيد قراءة الماضي بأدوات الحاضر ويؤكد أن الجزائر كانت عبر تاريخها فضاءً محوريا في حركة الحضارات وجسرا ممتدا بين الشرق والغرب