بقلم د. محمد عبدالله الخولي

رغم تعدد المدارس الشعرية وتنوعها من حيث التشكيل/ التمثيل، إلا إنها في النهاية تخضع لسلطتين: سلطة الموروث، وسلطة التجريب، والأخيرة تخرج الشاعر من سلطة الموروث؛ ليبحث عن ماهية الشعر في فضاءات مختلفة، بيد أنّ الشكل الكلاسيكي تتسع فضاءاته للتجريب، فالشكل (الكلاسيكي) لم يكن حائلا – ذات تجربة- بين الشاعر والتجريب، ولكنه التجريب الخاضع للسلطة.
لما كانت ذات الإنسان مجبولة – في طبيعتها – على الخروج عن المألوف، هجر معظم الشعراء الشكل الكلاسيكي (الموروث)، وهشّموا قيود الوزن والقافية، حتى وصل هذا الخروج إلى أقصى درجة ممكنة، ورفضوا الشكل القديم متعلّلين بأنّه لا يتسّع لما تحلم به الذات الإنسانيّة، وقد استطاعوا أن يحرزوا قصب السبق في فضاءات التجريب.
على النقيض – مما سبق – نجد أنّ الشعر الكلاسيكي – على يد من يدركون حقيقة الشعر – خطا خطوات واسعة، لم تنجزها قصيدة النثر ولا التفعيلة إلى الآن. إذن، لا تكمن القضية في الشكل، فالقضية ليس جوهرها الخروج من أجل الخروج وحسب، ولكنه الخروج الذي يتلاءم مع طبيعتي الذات والتجربة.
الشعر – من جهة نظر خاصة – يتأبّى على جميع الأشكال، فلا ينحصر الشعر في شكل بعينه، ولا يطمح الشعر إلى شكل معين، حيث يمثل الشعر سلطة متعالية على جميع الأشكال. وحدها التجربة هي التي تمنح الشاعر النّابه حق اختيار الشكل الذي يتموسق مع نوع التجربة، ولذا، لا ينتصر النقد الحقيقي لشكل دون غيره، ولكن ينتصف النقد لجماليات التشكيل دون الالتفات إلى إطارها المانح للقصيدة وجودها، ومن هنا ظلت القصيدة العمودية باقية إلى الآن، ولم تعصف بها رياح التجريب.