بقلم أ.عبد العالي لعجايلية

في ظهيرةٍ كانت الشمسُ فيها تُلقي سيوفها على التراب، كنتُ أطوفُ بأطرافِ قريةٍ نائية، أحملُ محفظةً سوداء كأنها قطعةٌ مقتطعة من ليلٍ تائه. لم تكن تلك المحفظة مجرد وعاءٍ لأوراقي، بل كانت تمنحني هيئةً غريبة عن المكان، هيبةً زائفة لمن يأتي من “المركز” إلى “الهامش”. كان الأطفال يرمقونني بحذرٍ ممزوجٍ بالفضول، والنساء يخفين نصف وجوههن خلف الأبواب، أمّا الرجال فكانت نظراتهم تنحني قبل أجسادهم، كأنهم تعلّموا منذ زمنٍ بعيد أن السلطة لا تحتاج دائماً إلى عصا، بل يكفيها مظهرٌ يوحي بأنها تملك العصا.

وبين انعطافات الطريق، أبصرتُ شيخين احتميا بظلِّ شجرةٍ هرمة، يجلسان في سكينةٍ تشبه استراحةَ العمر بعد طولِ عناء. كانت الشجرةُ عجوزاً كأنها آخر ما تبقّى من ذاكرة الأرض؛ جذعها متشقق كوجه الزمن، وأغصانها اليابسة تمدّ ظلالاً قليلة فوق التراب المحترق، كأنها رحمةٌ متعبة لا تزال تقاوم الفناء.

اقتربتُ منهما بخطواتٍ حادّة، ويدي تقبضُ على مقبض المحفظة بإحكام، ثم ألقيتُ السلام بصوتٍ جهوريٍّ اخترق هدوءَ المكان كطلقةٍ طائشة. ردّا السلام بطمأنينة البسطاء، أولئك الذين لم يتعلّموا بعدُ أن يخافوا من النوايا المختبئة خلف ربطات العنق أو الحقائب الجلدية.

حدّقتُ فيهما طويلاً، متقمصاً دور قاضٍ يتهيأ لإعلان حكمه، وشعرتُ في تلك اللحظة بنشوةٍ غريبة تتصاعد في داخلي؛ نشوة اختبار القوة على من لا يملكها. كان ثمة شيء مظلم يتحرك في أعماقي، شيء يشبه الرغبة القديمة لدى الإنسان في أن يرى الآخرين ينحنون لصوته، لا اقتناعاً، بل خوفاً من احتمالات العقاب.

قلتُ بنبرةٍ قاسية لا تقبل الجدل: “من أعطاكما الحق لتجلسا في الظل؟ قومَا… واتركا الظلَّ للشمس.”

ساد صمتٌ ثقيل، حتى العصافير التي كانت تعبث فوق الأغصان بدت وكأنها ابتلعت زقزقتها. ارتبك الشيخان، ونهضا ببطءٍ كأنهما يحملان على ظهريهما ثقل القرون. أحدهما حاول أن يبتسم ابتسامةً مرتبكة، كأنما يعتذر عن جريمةٍ لم يفهمها، بينما أخذ الآخر يجمع عصاه المهترئة بعجلة المرتبك أمام سلطةٍ غامضة.

لم تكن في عيونهما مقاومة، بل نوع من الدهشة المنكسرة؛ تلك الدهشة التي تصيب الإنسان حين يكتشف أن أبسط حقوقه قد تحتاج فجأةً إلى إذن. وهما يهمّان بالرحيل نحو اللهيب، رأيتُ في انحناءة ظهريهما تاريخاً طويلاً من الطاعة المتراكمة، طاعةٍ لم تولد من الإيمان دائماً، بل من الاعتياد على الخوف.

في تلك اللحظة، لم أرَ فيهما “الطيبة” وحدها، بل رأيتُ كيف ينمو الخضوع في مسامات الإنسان حين يواجه صوتاً يظنه يمثل “الحقيقة” أو “القانون”. أدركتُ أن أكثر البشر لا يطيعون لأنهم مقتنعون، بل لأنهم يخشون أن يكون العصيان مكلفاً. فالإنسان، حين يطول به العيش تحت سقوف السلطة، يتعلم أن يشكّ في قلبه قبل أن يشكّ في أوامر الآخرين.

عندها أمسكتُ بأيديهما الخشنة، وانفجرتُ ضاحكاً: “إلى أين؟ إنما كنتُ أمازحكما!”

ضحكتُ طويلاً، لكن الضحكة كانت تسقط من فمي كحجارةٍ باردة. أما هما، فقد تبادلا نظرةً شاحبة ثم عادا ببطءٍ إلى ظل الشجرة، إلا أنني شعرتُ أن الظل نفسه لم يعد كما كان. صار مرتبكاً، خائفاً، كأن كلماتي لوّثت حتى السكينة الصغيرة التي احتميا بها.

جلسا من جديد، لكنهما لم يجلسا بالطريقة ذاتها؛ كانا ينظران إليّ بين الفينة والأخرى، بحذرٍ يشبه حذر الطيور من صيادٍ ابتسم لها مرةً بعد أن صوب البندقية نحوها. عندها فقط شعرتُ أن المزاح قد يكون أحياناً أكثر قسوةً من الحقيقة، لأنه يكشف هشاشة الإنسان دون أن يمنحه حتى شرف الألم الكامل.

سرتُ مبتعداً، وكانت الشمس خلفي تمدّ ظلي فوق الطريق ككائنٍ أسود يلاحقني. أحسستُ بثقل المحفظة في يدي، لا كأنها حقيبة، بل كأنها رمزٌ لكل الأقنعة التي يرتديها البشر ليمنحوا أصواتهم سلطةً على الآخرين. وتساءلتُ: كم من الطغاة بدأوا بحقيبة؟ كم من الأوامر السخيفة تحولت إلى قوانين فقط لأن أحدهم قالها بثقة؟ وكم من الأرواح خرجت من ظلالها إلى صحراء الطاعة، لا لأن الحقيقة نادتها، بل لأن الخوف كان أعلى صوتاً من العقل؟

واصلتُ السير، بينما القرية تغرق خلفي في وهج الظهيرة. غير أن سؤالاً ظلّ يطاردني كصدى بعيد: هل الطغيانُ يسكن في القصور فقط، أم أنه يختبئ أحياناً في مزحةٍ عابرة، في نبرةِ صوت، في حقيبةٍ سوداء، أو في إنسانٍ يجرّب للمرة الأولى لذّة أن يُطاع؟