بقلم خليفة عبد السلام

في الأزمنة القديمة، كان المثقف يُقاس بقدر ما يحفظ من الكتب وبعدد اللغات التي يتقنها وبقدرته على الجلوس طويلا في حضرة الفلاسفة، أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدا- هل ما يزال الوعي يُصنع بالمعرفة وحدها؟ أم أن الإنسان المعاصر الغارق في طوفان المعلومات يحتاج إلى شيء أعمق من التكديس الثقافي ليصبح مثقفا حقيقيا؟
إن إشكالية صناعة المثقف الواعي ليست قضية تعليم أو مناهج فقط- بل هي سؤال حضاري يتعلق بكيفية بناء الإنسان نفسه.. فالمثقف ليس حامل معلومات- بل كائن يمتلك قدرة أخلاقية وعقلية على رؤية العالم خارج القوالب الجاهزة
لقد أنتج العصر الرقمي نموذجا جديدا من البشر- أفراد يعرفون كل شيء تقريبا لكنهم يفهمون القليل حيث يستطيع المرء أن يصل إلى لاف الكتب بضغطة هاتف،وأن يسمع محاضرات في الفلسفة والفيزياء والتاريخ في ليلة واحدة ومع ذلك يبقى عاجزا عن تكوين موقف فكري مستقل.. هنا تكمن المفارقة الكبرى- وفرة المعرفة لم تُنتج بالضرورة وفرة في الوعي
فالوعي لا يولد من المعلومات- بل من الاحتكاك العميق بالحياة والأسئلة والشك.. المثقف الحقيقي هو من يتعلم كيف يسائل ما يسمعه.. لا كيف يكرره، إنه الإنسان الذي يملك شجاعة التفكير ضد التيار.. لا الذي يحتمي بجماعة فكرية تمنحه شعورا زائفا بالأمان
ومن أخطر ما يواجه صناعة المثقف اليوم أن المؤسسات الحديثة ” من إعلام وتعليم ومنصات رقمية ” أصبحت تميل إلى إنتاج “مستهلك ثقافي” لا “عقل نقدي”.. فالثقافة تحولت في كثير من الأحيان إلى سلعة سريعة تُستهلك كما تُستهلك الأخبار والترفيه.. يُطلب من الإنسان أن يعرف بسرعة وأن يُبدي رأيا بسرعة وأن يغضب بسرعة دون أن يُمنح وقتا كافيا للتأمل
ولذلك فإن صناعة المثقف الواعي تبدأ من إعادة الاعتبار إلى قيمة التأمل.. فالفلسفة منذ سقراط لم تكن ترفا لغويا- بل تدريبا على القلق المعرفي؛ أي على القدرة في العيش داخل السؤال دون استعجال الإجابة.. إن الإنسان الذي لا يشك.. لا يفكر والذي لا يفكر.. لا يستطيع أن يكون حرا
ثم تأتي الحرية بوصفها الشرط الأساسي للوعي.. فلا يمكن صناعة مثقف داخل بيئة تخاف من السؤال أو تعتبر الاختلاف تهديدا، المثقف الواعي لا يُولد في مناخ الطاعة العمياء- بل في فضاء يسمح بالخطأ والتجريب والحوار.. ولهذا كانت المجتمعات الحية دائما هي تلك التي تحمي حق المفكر في الاعتراض- لا تلك التي تطلب منه التصفيق
غير أن الوعي لا يكتمل بالتمرد وحده.. فالمثقف الذي ينعزل داخل برج من النخبوية يفقد صلته بالحياة ويتحول إلى لة تنظير باردة، إن الثقافة الحقيقية ليست انفصالا عن الناس- بل قدرة على فهم الامهم وأسئلتهم اليومية.. ولهذا كان كبار المفكرين أكثر قربا من الإنسان البسيط لأنهم أدركوا أن الحكمة ليست في تعقيد اللغة- بل في تعميق الرؤية
إن صناعة مثقف واعٍ تبدأ من الطفولة- من تعليم الطفل كيف يسأل بدل أن يحفظ، وكيف يناقش بدل أن يخاف، وكيف يقرأ العالم لا الكتب فقط.. فالأمم التي تربي أبناءها على الطاعة وحدها قد تُنتج موظفين ناجحين، لكنها نادرا ما تُنتج عقولا حرة
يبقى المثقف الواعي مشروعا إنسانيا لا أكاديميا فقط؛ إنه ذلك الإنسان الذي يملك حساسية أخلاقية تجاه الحقيقة وشجاعة عقلية تجاه الوهم وقدرة دائمة على مراجعة نفسه.. فالثقافة ليست كمية ما نعرف، بل نوعية الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان والحياة والعالم.. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، قد يكون الوعي هو القدرة النادرة على الإصغاء العميق- لا على الكلام الكثير.