بقلم د- هند محسن حلمي _
يقول برتولت بريخت:
“المسرح ليس مرآةً تعكس الواقع، بل مطرقة تُشكِّله.”
ومنذ اللحظة الأولى في عرض «تريفوجا»، يدرك المتفرّج أنّه لا يدخل إلى خشبة مسرحٍ تقليدية، بل إلى متاهةٍ إنسانية خانقة؛ عالمٍ مكسوّ بالخوف والقلق والأسئلة الوجودية، حيث تبدو الشخصيات وكأنها تتحرك داخل كابوسٍ طويل لا تعرف كيف تستيقظ منه. حتى الاسم نفسه يحمل غموضًا مقصودًا، كأن “تريفوجا” ليست مجرد كلمة، بل حالة كاملة من الهروب والتيه والاغتراب. إنّه عنوان يتحوّل منذ البداية إلى مفتاحٍ فلسفي لقراءة العرض؛ فكل شخصية هنا تهرب من ذاتها قبل أن تهرب من الآخرين، وكل إنسان يبدو وكأنه فقد القدرة على التعرّف إلى وجهه الحقيقي.
وقد نجح العرض بذكاءٍ شديد في تحويل “القناع” من عنصر بصري إلى فكرة وجودية كاملة. فالمسكات التي ظهرت في المشهد الافتتاحي لم تكن مجرد إكسسوارات مسرحية، بل كانت رمزًا للإنسان الذي فقد هويته تحت وطأة السلطة والخوف والطاعة العمياء. وحين بدأت الأقنعة تُنزَع تدريجيًا، بدا الأمر أكثر رعبًا؛ لأن الوجوه الحقيقية كانت أحيانًا أشدّ قسوة من القناع ذاته. هنا يطرح العرض سؤالًا بالغ الخطورة: ماذا يحدث للإنسان حين يطول خضوعه؟ هل يبقى إنسانًا فعلًا، أم يتحول هو نفسه إلى قناعٍ يمشي على قدمين؟
ومن هذه الفكرة تحديدًا، بنى العرض عالمه الرمزي بالكامل. فالقائد يرتدي قناع السلطة، والجنود يرتدون قناع الطاعة، والزوجة ترتدي قناع الاحتمال، وحتى الضحك نفسه بدا وكأنه قناعٌ هشّ يخفي خوفًا داخليًا عميقًا. وكأن «تريفوجا» يقدّم الإنسان المؤدلج بوصفه كائنًا منزوع الروح، يتحرك داخل منظومةٍ أكبر منه، لا يملك فيها سوى الامتثال.
وقد استدعى العرض — بوعيه الرمزي والعبثي — أجواء مسرح يوسف العاني، خصوصًا في طريقته التي تعتمد الرمز أداةً لتمرير خطاب سياسي وإنساني بعيدًا عن الشعارات المباشرة. كما بدت فيه روح عبثية واضحة تُذكّر بعالم توفيق الحكيم، حيث الشخصيات عالقة داخل لعبة كبرى لا تفهم قوانينها، وتتحرك وسط واقعٍ مرتبك تتآكل فيه المعاني باستمرار.
أما “الساعة”، فقد كانت واحدة من أذكى الرموز البصرية في العرض. لم تكن تشير إلى الزمن بوصفه وقتًا عابرًا، بل بوصفه سلطة عليا تحاصر الجميع. كانت عقاربها أقرب إلى عدٍّ تنازليّ لانهيار الشخصيات من الداخل، وكأن الزمن هنا لم يعد وسيلة للحياة، بل صار أداةً للتآكل النفسي والانتظار المرعب. وكل لحظة صمت في العرض كانت تبدو كأنها اقترابٌ جديد من الكارثة.
ولعلّ عبارة صمويل بيكيت الشهيرة:
“الانتظار أقسى أنواع العذاب.”
تختصر روح «تريفوجا» بأكملها؛ فالشخصيات لا تفعل شيئًا سوى الانتظار: انتظار القرار، انتظار العقاب، انتظار الانهيار، انتظار الموت. حتى الحركة فوق الخشبة بدت وكأنها دورانٌ داخل دائرة مغلقة لا مخرج منها.
ومن أبرز العناصر البصرية أيضًا “الخريطة” التي حضرت داخل التكوين المسرحي، لا بوصفها ديكورًا، بل باعتبارها رمزًا للدولة والحدود والسيطرة. لقد نجح العرض في تقديم إسقاطات سياسية حادة، دون أن يقع في فخ المباشرة أو الخطابة، معتمدًا على الكوميديا السوداء والسخرية العبثية التي تجعل الضحك نفسه فعلًا موجعًا. فكل نكتة كانت تخفي خلفها شعورًا بالقهر، وكل لحظة ساخرة كانت تكشف عبث العالم ووحشيته.
ولهذا بدا المسرح أحيانًا وكأنه محكمة كبرى بلا قاضٍ واضح؛ الجميع متّهم، والجميع ضحية في الوقت نفسه. وهي من أخطر الأفكار التي مرّرها العرض بهدوءٍ شديد: أن الأنظمة القمعية لا تكتفي بتحطيم البشر، بل تدفعهم أحيانًا للمشاركة في تحطيم بعضهم البعض.
أما الإضاءة، فقد كانت بطلًا حقيقيًا من أبطال العرض. اللون الأصفر بدا وكأنه تجسيدٌ بصري للذبول والخوف والتعب النفسي، بينما جاء الأبيض المرتعش أشبه بعالمٍ هشّ على وشك الانهيار. لم تكن الإضاءة هنا مجرّد عنصر تقني، بل لغة موازية للحوار، تعبّر عمّا تعجز الشخصيات عن قوله، وتكشف التوتر الكامن خلف الكلمات.
وعلى مستوى البناء الدرامي، تُعدّ فكرة الرجل المدني الذي يتحول فجأة إلى قائد واحدة من أكثر أفكار العرض قسوة وذكاءً. فالعرض يطرح سؤالًا مرعبًا: هل تحتاج السلطة إلى الكفاءة فعلًا، أم تكفي البدلة العسكرية والرتبة لصناعة قائد؟
جلسة “التهيئة” أو “الاعتراب” التي يخضع لها البطل بدت وكأنها عملية اقتلاعٍ تدريجي لذاكرته وإنسانيته، لتحويله إلى أداة تنفيذ خالصة.
وهنا تتجلّى بوضوح أفكار ميشيل فوكو حين قال:
“السلطة لا تغيّر الإنسان فقط… بل تكشف أكثر أجزائه خوفًا.”
ومع تصاعد الأحداث، يبدأ البطل في خسارة ذاته بالتدريج. يتآكل إنسانيًا تحت ضغط السلطة والعمل والطاعة، حتى تنهار علاقته بزوجته وابنته “روزة”. وكانت مشاهد “روزة” تحديدًا من أكثر لحظات العرض إنسانية وصدقًا؛ ففي وسط هذا العالم القاسي، ظهرت الطفلة بوصفها الضمير الأخير، والصوت الذي يذكّر البطل بأنه كان إنسانًا قبل أن يتحول إلى رتبة.
ومن هنا جاءت لحظة وفاة “روزة” بوصفها الذروة النفسية الأكثر إيلامًا في العرض. اللون الأحمر، الضحك المختلط بالصدمة، البدلة العسكرية، برودة العالم المحيط… كلها عناصر صنعت مشهدًا عبثيًا موجعًا، بدا وكأن العرض يقول من خلاله إن السلطة تلتهم كل شيء، حتى الإنسان الكامن داخلنا.
لقد تحوّل الأحمر هنا من لونٍ للموت إلى انفجارٍ بصري لكل القمع المكبوت طوال العرض، وكأن الخشبة بأكملها صارت مساحةً للصراخ الصامت.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، قدّم محمد يسري أداءً شديد الوعي والاتزان، قائمًا على التفاصيل الدقيقة لا الانفعال الزائد. قوته الحقيقية لم تكن في الصراخ أو الاستعراض، بل في الصمت، والنظرات المرتبكة، والانهيار البطيء الذي كان يتسرّب من ملامحه تدريجيًا. لقد نجح في تجسيد التحول النفسي للشخصية بعمقٍ نادر، دون حاجة إلى تفسير مباشر، وهي واحدة من أصعب مهارات الأداء المسرحي.
كما كان الصوت الأنثوي داخل العرض يحمل دلالة إنسانية شديدة الأهمية؛ فالزوجة لم تُقدَّم باعتبارها شخصية هامشية أو ضحية تقليدية، بل باعتبارها رمزًا للحياة الطبيعية، والدفء، والمقاومة الهادئة. وجودها كان بمثابة آخر خيط يربط البطل بإنسانيته وسط هذا الخراب المتصاعد.
والأهم أن العرض لم يحاول تقديم إجابات جاهزة. لقد كان يزرع الأسئلة أكثر مما يمنح الحلول، وهو ما يجعل المسرح فعلًا حيًّا لا ينتهي بانتهاء العرض. فالمتفرّج يخرج من القاعة حاملًا العرض داخله، لا بوصفه حكاية شاهدها، بل باعتباره تجربة نفسية وفكرية تستمر بعد إسدال الستار.
وكما يقول بيتر بروك:
“المسرح هو المكان الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يرى فيه خوفه واقفًا أمامه.”
وفي النهاية، فإن «تريفوجا» ليس مجرد عرض سياسي، بل عرضٌ عن الإنسان حين تُسحب روحه منه بالتدريج. عرضٌ عن الأقنعة والزمن والسلطة والخوف، وعن هشاشة البشر حين يتحولون إلى أدوات داخل منظومة قمعية لا ترحم. إنه عرض يراهن على وعي المتلقي، ويحترم عقله، ويترك له مساحةً واسعة ليكمل المعنى بنفسه.
ولعلّ هذا تحديدًا هو أجمل ما في «تريفوجا»… وأخطره أيضًا.
