بقلم د. محمد عبدالله الخولي –

لم تعد النظرية الأدبية المعاصرة قادرة على ادعاء حيادها المعرفي أو كونيّتها المطلقة، بعد أن تكشّف ارتباط نشأتها التاريخية بالسياق الثقافي والسياسي للحداثة الأوروبية، حيث تزامن تشكّل المناهج النقدية الحديثة مع صعود المركزية الغربية وتوسّعها الكولونيالي. فقد تحوّل النموذج الغربي من تجربة ثقافية مخصوصة إلى معيار عالمي يُقاس عليه الأدب الإنساني بأسره، الأمر الذي أفضى إلى ممارسة شكل من أشكال العنف التأويلي على نصوص حضارية أقدم وأكثر تنوعاً.
إن الإشكال المركزي لا يكمن في إنتاج الغرب لنظرياته، بل في تحويلها إلى أفق وحيد للفهم، بحيث أصبحت الآداب غير الغربية موضوعاً للتطبيق لا مصدراً للتنظير. وهكذا جرى تفكيك النصوص العربية والآسيوية والإفريقية داخل منظومات مفاهيمية لا تنتمي إلى شروطها الجمالية أو الوجودية.
1. نقد الكونية الأحادية
لقد قامت البنيوية والتفكيكية والنقد الثقافي، رغم اختلافاتها، على افتراض ضمني مفاده أن البنية المعرفية الغربية قادرة على احتواء جميع أشكال التعبير الأدبي. غير أن هذه الكونية/ العالمية المعلنة أخفت مركزاً ثقافياً واحداً يحدد ما يُعد أدباً وما يُعد قابلاً للتأويل.
وعندما تُقرأ النصوص الصوفية العربية، أو الملاحم الشرقية، أو الشعر الشفهي الإفريقي، وفق مفاهيم نشأت داخل تجربة تاريخية مغايرة، فإن النص لا يُفهم بقدر ما يُعاد تشكيله ليتوافق مع النموذج المهيمن.
2. محدودية الخطاب ما بعد الكولونيالي
على الرغم من كشفه لعلاقات الهيمنة، ظل النقد ما بعد الكولونيالي أسير المرجعية النظرية الغربية ذاتها؛ إذ عارض المركز من داخله دون أن يؤسس أفقاً معرفياً بديلاً. فبقيت مفاهيم المقاومة والهجنة والاختلاف تدور داخل اللغة المفهومية نفسها التي أنتجت المركزية.
ومن ثمّ، فإن تجاوز الكولونيالية النقدية لا يتحقق بالرفض، بل بإنتاج معرفة تنطلق من تعدد منابع الفكر الإنساني.
3. التنظير من الداخل الثقافي
إن تأسيس نظرية عالمية للأدب يقتضي أن تستعيد الثقافات حقها في إنتاج مفاهيمها النقدية انطلاقاً من تجاربها الخاصة. فالنقد العربي الكلاسيكي، على سبيل المثال، قدّم تصورات متقدمة حول اللغة والجمال قبل تشكّل النظريات الأوروبية الحديثة:
مفهوم النظم بوصفه شبكة علاقات دلالية حيّة.
البلاغة باعتبارها تفاعلاً تداولياً بين النص والمتلقي.
التجربة الصوفية بوصفها نموذجاً للغة تتجاوز الإحالة المباشرة نحو الكشف الوجودي.
إن هذه المفاهيم لا تُستدعى لإحياء الماضي، بل لتوسيع أفق النظرية المعاصرة.
4. من المركز الواحد إلى تعدد المراكز
النظرية العالمية المقترحة لا تستبدل مركزاً بآخر، بل تنهي فكرة المركز نفسها. فالعالم الأدبي شبكة حوارية تتعدد فيها مصادر المعنى، حيث تصبح كل ثقافة منتجة للنظرية لا موضوعاً لها.
وبذلك تنتقل النظرية من:
نموذج الهيمنة – إلى نموذج الحوار،
معيارية التأويل – إلى تعددية الفهم،
العالمية المفروضة – إلى العالمية المتشكّلة عبر التفاعل.
5. مبادئ النظرية العالمية للأدب
يمكن تحديد الأسس الأولية لهذه النظرية في المبادئ الآتية:
– أولوية النص على المنهج: المناهج تُشتق من النصوص لا تُفرض عليها.
– تعدد العقل الجمالي: لا وجود لصيغة واحدة للإبداع الإنساني.
-الخصوصية بوصفها شرط العالمية: المحلي ليس نقيض الكوني بل طريقه وطريقته.
-التكامل المعرفي: إمكان تلاقي البلاغة العربية مع السيميائيات، والفلسفات الشرقية مع التأويلية الحديثة.
-الحوارية الحضارية: الأدب فضاء تفاعل لا صراع نماذج.
6. نحو أفق إنساني جديد
إن النظرية العالمية للأدب ليست مشروعاً أيديولوجياً مضاداً، بل إعادة تعريف لفعل القراءة ذاته؛ قراءة تعترف بأن الإنسانية لم تنتج مركزاً واحداً للخيال، وأن الإبداع البشري تشكّل دائماً عبر الترجمة والتلاقح والتبادل.
فالعالمية الحقيقية لا تنشأ حين تتشابه الآداب، بل حين تحتفظ باختلافها داخل أفق إنساني مشترك.
خاتمة البيان
إن اللحظة النقدية الراهنة تستدعي الانتقال من مرحلة استهلاك النظريات إلى مرحلة إنتاجها، ومن موقع التابع التأويلي إلى الشريك المعرفي. فالأدب، في جوهره، ملك للإنسانية جمعاء، ولا يمكن لنظرية واحدة أن تحتكر تفسيره.
النظرية العالمية للأدب ليست مشروع مستقبل فحسب، بل ضرورة معرفية تفرضها تعددية العالم ذاته؛ عالم لم يعد يقبل صوتاً واحداً، بل يكتب نفسه عبر تعدد الأصوات.