بقلم أ.عبد العالي لعجايلية

ثمة خطأ شائع يتكرر كلما ذُكرت أزمة الأدب العربي؛ إذ يُسارع كثيرون إلى تشريح النصوص قبل تشريح المناخ الذي وُلدت فيه، ويبحثون عن العطب في الكلمات قبل البحث عنه في الوعي الذي ينتج الكلمات. كأن الأدب كائن هبط من فراغ معزول، لا مرآة لروحٍ جماعية تتشكل داخل التاريخ والثقافة والاقتصاد والسياسة وأنماط العيش.

ولعل السؤال الحقيقي ليس: ما الذي أصاب الأدب العربي؟

بل: ما الذي أصاب الإنسان العربي حتى بدا أدبه على هذه الصورة؟

إن الأدب، في جوهره، ليس سوى الأثر الزلزالي لتحولات أعمق تقع في باطن الحضارات. وحين تضطرب البنية الفكرية لأمة ما، تظهر الشقوق أولاً في لغتها وفنونها وآدابها، تماماً كما تظهر التشققات على جدار بيت قبل أن ينهار أساسه.

لهذا تبدو أزمة الأدب العربي المعاصر أقل ارتباطاً بالنص ذاته، وأكثر ارتباطاً بأزمة حضارية واسعة تمس إنتاج المعنى نفسه.

لقد كان الأدب العربي في عصور ازدهاره يتحرك داخل فضاء معرفي خصب. كانت الفلسفة حاضرة، والجدل الفكري مشتعلاً، والأسئلة الوجودية والدينية والأخلاقية تتنازع العقول. لم يكن الشاعر أو الأديب مجرد صانع للجمال اللغوي، بل كان شريكاً في صياغة رؤية الإنسان للعالم.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً.

نحن نعيش زمناً تتضخم فيه المعلومات وتتقلص فيه الحكمة، وتتسع فيه وسائل التعبير بينما تضيق فيه مساحة التفكير العميق. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاطاً بفيض هائل من المعطيات، لكنه يعاني في الوقت ذاته من مجاعة في المعنى.

ومن هنا تبدأ القصة.

فالأدب لا يزدهر في البيئات التي تكثر فيها الكلمات فقط، بل في البيئات التي تكثر فيها الأسئلة. والسؤال الحضاري الكبير الذي يواجه الثقافة العربية اليوم هو أن إنتاج الأجوبة الجاهزة بات أسهل بكثير من إنتاج الأسئلة الخلّاقة.

ولهذا لا تبدو أزمة الأدب العربي أزمة أسلوب أو تقنية أو جنس أدبي، بل أزمة مخيلة حضارية فقدت جزءاً من قدرتها على الحلم والاكتشاف والمساءلة.

إن النصوص لا تضعف حين يعجز الكتّاب عن الكتابة، بل حين يعجز المجتمع عن الحلم.

داخل هذا السياق ظهر ما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه، حيث لم تعد القيمة تُقاس بعمق الفكرة، بل بقدرتها على اجتذاب النظر لأطول مدة ممكنة. وهنا دخل الأدب إلى مختبر جديد لم يعرفه من قبل.

في هذا المختبر لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات تقنية محايدة، بل تحولت إلى مهندسين خفيين للذائقة العامة. فهي لا تسأل عن الحقيقة، ولا عن الجمال، ولا عن القيمة الإنسانية للنص؛ إنها تسأل فقط: ما الذي يجذب؟ وما الذي ينتشر؟ وما الذي يبقي المستخدم أطول وقت ممكن أمام الشاشة؟

وهكذا وجد الأدب نفسه أمام امتحان غير مسبوق.

فبعد أن كان مطالباً بإرضاء الضمير الجمالي والفكري، أصبح مطالباً أيضاً بمنافسة آلاف الرسائل والصور والمقاطع التي تتدفق كل ثانية.

ولأن قوانين السرعة تختلف عن قوانين العمق، بدأت أشكال جديدة من الكتابة بالظهور؛ كتابة تفضّل الأثر اللحظي على الأثر البعيد، والومضة السريعة على البناء المتراكم، والانفعال الفوري على التأمل الطويل.

لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد أن هذا هو الأدب العربي كله.

فبعيداً عن الضجيج الرقمي، ما تزال نصوص كثيرة تُكتب بصبر النحاتين لا بعجلة الباعة. نصوص تنمو في الظل، وتواصل مساءلة الوجود والهوية والحرية والذاكرة، لكنها لا تمتلك دائماً الأدوات الدعائية التي تجعلها مرئية وسط الصخب العام.

ولهذا فإن الخلط بين أدب المنصات وأدب الإبداع يشبه الحكم على المحيط من خلال زبد الشاطئ.

غير أن المأزق لا يقف عند حدود النشر والتلقي.

فثمة أزمة أخرى أكثر عمقاً تتعلق بالنقد نفسه.

لقد كان النقد في لحظات ازدهاره أشبه بجهاز عصبي يربط الإبداع بالوعي. أما اليوم فقد انقسم في كثير من الأحيان بين طرفين متناقضين: مجاملات ثقافية تمنح الشرعية لكل شيء، وخطابات أكاديمية غارقة في المصطلحات إلى درجة يصبح معها النص الأدبي مجرد ضحية على طاولة التشريح النظري.

وهكذا ضاعت المسافة التي كان ينبغي أن تفصل بين الفهم والتبجيل، وبين التحليل والاستعراض.

فلم يعد النقد يصنع الذائقة كما كان يفعل، بل صار في كثير من الأحيان تابعاً للأسماء الرائجة أو أسيراً لقوالب نظرية جاهزة.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يواجه الأدب العربي اليوم ليس الخوارزمية، ولا ضعف النقد، ولا تراجع القراءة.

هذه كلها أعراض.

أما المرض الأعمق فهو انحسار السؤال الحضاري المنتج للمعنى.

إن الحضارات لا تنهار حين تفقد ثرواتها فقط، بل حين تفقد قدرتها على طرح الأسئلة الكبرى. وحين تتوقف المجتمعات عن التساؤل حول الإنسان والحرية والعدالة والمصير والمعرفة، يتحول الأدب تدريجياً من مغامرة وجودية إلى نشاط ثقافي عادي.

في تلك اللحظة لا يصبح الكاتب مكتشفاً للمجهول، بل موظفاً في إدارة الكلمات.

ولا يعود النص رحلة نحو آفاق جديدة، بل إعادة ترتيب أنيقة لما هو معروف سلفاً.

ومع هذا كله، فإن الحديث عن أزمة الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى مرثية.

فالأدب الحقيقي لم يكن يوماً ابناً للطمأنينة، بل ابن الأزمات الكبرى. وأعظم الأعمال الإنسانية لم تولد في أوقات الاستقرار الكامل، بل خرجت من قلب الانكسارات والتحولات العنيفة.

ولهذا قد يكون ما نراه اليوم ليس أفولاً للأدب العربي بقدر ما هو مخاض طويل يعيد تشكيل وظائفه وأدواته وأسئلته.

إن المختبر الذي يقف داخله الأدب العربي ليس مختبراً لتحليل النصوص فحسب، بل مختبر لفحص الإنسان العربي ذاته؛ أحلامه، وخيباته، وهويته، وعلاقته بالعالم المتغير.

ومن هنا تنقلب الصورة كلها.

فالأدب ليس المريض الحقيقي.

إنه الطبيب الذي يحاول تشخيص مريض أكبر منه.

ذلك المريض هو الإنسان الذي يعيش بين ذاكرة مثقلة بالماضي، وعالم يتغير أسرع من قدرته على الفهم، وواقع يزداد تعقيداً كلما ازدادت وسائل السيطرة عليه.

وحين ينجح الأدب في كشف هذا الجرح الحضاري العميق، فإنه يحقق مهمته الأسمى.

فوظيفة الأدب ليست أن يزين الواقع، ولا أن يهرب منه، بل أن يضع إصبعه على موضع الألم الذي تحاول الأزمنة إخفاءه.

وعندها فقط يصبح النص أكثر من كلمات، وتصبح الكتابة أكثر من حرفة، ويغدو الأدب واحداً من آخر الحصون التي تدافع عن حق الإنسان في أن يكون كائناً يبحث عن المعنى، لا رقماً عابراً في أرشيف الزمن.