بقلم خليفة عبد السلام
ليس الإبداع فعلا بريئا داخل المجال الثقافي، ولا يولد غالبا في فضاء من التفاهم الكامل أو الانسجام التام.. فالتاريخ الثقافي يكشف أن أغلب التحولات الكبرى في الأدب والفن والفكر نشأت من سوء فهم عميق بين المبدع ومحيطه وبين اللغة وما تريد قوله وبين المتلقي وما يظن أنه فُهم.. إن سوء الفهم ليس حادثا عابرا في الثقافة، لكنه قد يكون الشرط الخفي لولادة أشكال جديدة من الرؤية والتعبير
حين يظهر عمل إبداعي جديد فإنه يربك القوالب الجاهزة للإدراك.. لذلك يبدو غريبا أو ناقصا أو مستفزا لأن الوعي الجمعي لا يمتلك بعد الأدوات الكافية لقراءته، وهكذا يصبح المبدع كائنا يعيش على هامش الفهم السائد ويجد نفسه مضطرا إلى اختراع لغة جديدة داخل عالم لم يتهيأ بعد لاستقبالها
ينشأ سوء الفهم عندما تتحرك اللغة أسرع من القواعد الثقافية التي تنظمها.. فالمجتمع يميل دائما إلى تثبيت المعاني بينما يعمل الإبداع على زعزعتها، ومن هنا تتولد الفجوة- المبدع لا يتكلم باللغة نفسها التي يتوقعها الجمهور حتى وإن استعمل المفردات ذاتها
إن القصيدة الحديثة أو اللوحة التجريدية أو الرواية التي تكسر التسلسل التقليدي لا تُساء قراءتها بسبب ضعفها بالضرورة، لكنها ترفض أن تُختزل إلى معنى واحد واضح.. فالإبداع الحقيقي يوسع حدود التأويل، بينما تسعى الثقافة الجماهيرية غالبا إلى تقليص الغموض حفاظا على الاستقرار الرمزي
لهذا يبدو سوء الفهم أحيانا شكلا من أشكال المقاومة الثقافية.. فحين لا يُفهم العمل الإبداعي فورا، فإنه يكشف حدود الذائقة السائدة وحدود اللغة المشتركة بين الناس
وغالبا ما يتحول المبدع داخل الساحة الثقافية إلى شخصية ملتبسة.. فهو ليس منتميا بالكامل إلى الجماعة ولا منفصلا عنها نهائيا.. إنه يقف في منطقة وسطى- يرى العالم من الداخل والخارج في آن واحد
هذه الغربة ليست نفسية فقط إنما معرفية أيضا.. فالمبدع يلتقط ما لم يتحول بعد إلى وعي اجتماعي ولذلك يبدو كلامه سابقا لزمنه أو منفصلا عنه وكثيرا ما تُستقبل الأفكار الجديدة بالسخرية أو الاتهام أو التهميش قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء من الوعي الثقافي العام
إن التاريخ الأدبي والفلسفي مليء بأمثلة لمبدعين تعرضوا لسوء فهم حاد، ليس لأنهم فشلوا في التعبير، لكنهم نجحوا في تجاوز الأفق الثقافي السائد.. فكل اختراق للمعنى يحمل داخله إمكانية إساءة القراءة
تزداد ظاهرة سوء الفهم في العصر الحديث بسبب تحول الثقافة إلى فضاء سريع الاستهلاك.. فالإيقاع الرقمي المعاصر يدفع المتلقي إلى البحث عن المعنى المباشر والرسالة المختصرة والانفعال السريع، بينما يحتاج الإبداع الحقيقي إلى بطء وتأمل ومسافة نقدية
ومن هنا تنشأ أزمة جديدة- لم يعد سوء الفهم ناتجا فقط عن تعقيد العمل الإبداعي إنما أيضا عن تغيّر شروط التلقي نفسها.. فالجمهور الذي اعتاد الصور السريعة والشعارات المختزلة يجد صعوبة في التعامل مع نص مفتوح أو فكرة مركبة أو عمل يرفض الإجابات الجاهزة، وفي هذا السياق، تصبح الساحة الثقافية ميداناً للصراع بين منطقين:
-منطق السوق الذي يريد المعنى السهل القابل للتداول
-ومنطق الإبداع الذي يسعى إلى تفجير المعنى وإعادة تشكيله
لا يهدف الإبداع إلى إيصال معنى جاهز بقدر ما يهدف إلى خلق طريقة جديدة للرؤية.. ولذلك فإن سوء الفهم قد يكون مرحلة ضرورية قبل أن تتشكل لغة جديدة للفهم ذاته
فالعمل الإبداعي الكبير لا يشرح العالم فقط لكنه يشتغل على يغيير الطريقة التي نراه بها.. إنه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان واللغة والزمن والواقع، ومن هنا تأتي مقاومة المجتمع له في البداية لأن كل رؤية جديدة تهدد نظام الإدراك القديم
إن الإبداع لا يعيش خارج سوء الفهم، بل ينمو داخله.. فالمعنى الجديد يولد دائما في منطقة الالتباس قبل أن يتحول إلى يقين ثقافي وما يبدو اليوم غامضا أو صادما قد يصبح غدا بديهيا ومألوفا
سوء الفهم ليس عيبا طارئا في الساحة الثقافية لكنه من جهة أخرى أحد الشروط العميقة لحركة الإبداع.. فكل تجربة فنية أو فكرية تحاول تجاوز السائد تجد نفسها في مواجهة لغة لم تعد تكفي ووعي لم يتهي بعد لاستقبال المختلف
الإبداع الحقيقي لا يطلب التصفيق السريع إنما يغامر بإرباك المعنى وإعادة تشكيله ولذلك فإن الثقافة الحية ليست تلك التي تنتج الفهم الفوري دائما إنما هي تلك التي تسمح بوجود الأسئلة والالتباس والتأويلات المتعددة.. فربما كان سوء الفهم في جوهره، العلامة الأولى على أن شيئا جديدا قد بدأ يولد داخل اللغة والعالم.
