بقلم د- خليل بن عزة –

إن أزمة الجامعة في العالم والجزائر بخاصة، ليست مجرّد تراجعٍ في حضور الطلبة داخل مدرجات الجامعة اليوم، بل تحوّلت إلى أزمةٍ عميقةٍ في معنى المعرفة ذاتها وعلاقة الطالب بالأستاذ. فبعد أن كان البروفيسور يمثّل تلك السلطة الرمزية (Autorité symbolique) والنموذج للنجاح الاجتماعي وحتى الاقتصادي، أصبح يُختزل تدريجيًا في وظيفةٍ إدارية بيروقراطية مرتبطة بآداء وظائف بيداغوجية بسيطة وتقييم الطلبة بمنحهم علامات لتحديد الناجحين منهم.. وفقط، مع بعض البروتوكولات البحثية التي تستهدف فقط ترقية الأستاذ من درجة إلى أخرى بعيدا عن غاياتها المعرفية والإشعاعية الحضارية المنتجة. وقد ساهمت الثورة الرقمية وخاصة السوشيال ميديا في تفكيك تلك الهالة التي ميزت البروفيسور الجامعي سابقا عن طريق كسرها لاحتكار المعرفة ودفعها الأجيال الجديدة نحو استهلاكٍ المحتوى السريع ضمن ما اسميه بـ “إقتصاد الانتباه” (Économie de l’attention) وثقافة الريلز والتراند والإشباع الفوري بالترفيه والتتفيه.

الأخطر من ذلك أن تلك العلاقة البيداغوجية بين الاستاذ والطالب فقدت كذلك بُعدها الإنساني والرمزي الرحب، لتحل محلها براجماتية باردة (Pragmatisme froid)، وفيها قيمة الأستاذ صارت تتحدد بقدرته على منح العلامات الجيدة أو تعديلها وفقط. وهكذا، تحوّل جزء معتبر من الطلبة إلى مستهلكين أكاديميين يبحثون عن الحد الأدنى من الجهد. لذلك لم يعد الأستاذ -مهما حاول التفاعل أو التكيّف مع العصر- قادرًا على استعادة تلك المركزية التي فقدتها الجامعة نفسها.

إننا -يا سادة- أمام تحوّل ثقافي (Transformation culturelle) تتحدد فيه المكانة الاجتماعية للنخب والمعرفة في ظل الرأسمالية الرقمية. فالمجتمع تسبب في صناعة أجيال مرهقة نفسيًا ورمزيًا، تنظر إلى التعليم كوسيلة نجاة لا مشروع وعي. ومن هنا، فإن أزمة الأستاذ المعاصر هي أزمة اعتراف (Crise de reconnaissance) داخل عالم فقد قدرته على الإنصات للمعنى.